يشهد العالم اليوم واحدة من أكبر عمليات التعبئة الصناعية في زمن السلم على مر التاريخ؛ ففي هذا العام وحده، تتجه كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية نحو ضخ قرابة 670 مليار دولار (ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة) لبناء مجمعات الحوسبة. وعلى الصعيد العالمي، يقترب حجم الإنفاق الحكومي والخاص على مراكز البيانات من عتبة التريليون دولار، بهدف واحد لا ثاني له: ريادة ثورة الذكاء الاصطناعي.
وفقاً لورقة بحثية حديثة نشرها "تحالف الحوسبة" عبر مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، فإن البنية التحتية للحوسبة المتقدمة لم تعد مجرد تفوق تكنولوجي، بل أصبحت حجر الزاوية الذي سيُشكّل موازين القوى العالمية. ورغم الهيمنة الحالية للولايات المتحدة - التي استضافت حتى مايو 2025 نحو ثلاثة أرباع مراكز الحوسبة المتقدمة في العالم - إلا أن هذه الريادة تظل "هشة" وتواجه تحديات داخلية وخارجية شرسة.
سرعة التشغيل.. المعادلة التي تطغى على أسعار الطاقة والحوافز
في كشف مالي وتنظيمي مثير، أثبت النموذج المالي الجديد الذي استندت إليه الورقة البحثية أن "سرعة تشغيل مراكز البيانات والوصول إلى الطاقة" هي العامل الحاسم والأهم في تحديد العوائد وجذب الاستثمارات، متفوقة بفارق شاسع على عوامل تقليدية مثل أسعار الكهرباء أو الإعفاءات الضريبية.
ويُقدّر النموذج أن تأخير تشغيل مركز بيانات أمريكي نموذجي بقدرة 100 ميغاواط لمدة عام واحد فقط يُكلف المستثمرين أكثر من 550 مليون دولار على مدار دورة حياته (أي ما يزيد عن 5% من قيمته الإجمالية البالغة 10 مليارات دولار). وتعد هذه الخسارة الناتجة عن عام واحد من التأخير أكبر بنسبة 25% من تكلفة مضاعفة أسعار الكهرباء بالكامل، وثلاثة أضعاف تكلفة فرض تعريفات جمركية معتدلة على الخوادم.
"الطاقة هي كل شيء الآن؛ إذا توفرت لديك طاقة كافية لتشغيل وحدة معالجة الرسومات، فستحصل على طلب كبير مهما كانت التكلفة"
- محلل في وول ستريت تعليقاً على اشتعال المنافسة
تصنيف الدول: الإمارات والولايات المتحدة في الصدارة.. وألمانيا تتذيل القائمة
بفضل قدرتها على إنجاز المشاريع الكبرى بسرعة فائقة، تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة تصنيفات تنافسية الدول في هذا المجال، حيث يستغرق بدء التشغيل الأول للمشروع فيهما بين 22 إلى 24 شهراً فقط. وجاء هذا التميز الإماراتي نتيجة التنسيق المحكم والقدرة على توجيه شركات المرافق المملوكة للدولة لمنح البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أولوية قصوى.
في المقابل، تذيلت ألمانيا القائمة بجداول زمنية تمتد إلى 42 شهراً بسبب ازدحام شبكتها الكهربائية والإجراءات البيروقراطية الطويلة، تلتها كوريا الجنوبية بـ 40 شهراً. أما المملكة المتحدة فتعاني من فترات انتظار لربط الشبكة قد تصل إلى خمس سنوات في بعض مناطقها.
ومع ذلك، يؤكد التقرير أن هذه التصنيفات مرنة للغاية وقابلة للتغير؛ ففي حال واجهت الولايات المتحدة تأخيراً تنظيمياً لمدة عام، ستتراجع فوراً إلى المركز الخامس خلف الإمارات وفنلندا وكندا والهند.
المخاطر الجيوسياسية وظلال الحرب في الشرق الأوسط
رغم الصدارة التنافسية لدولة الإمارات في السيناريو الأساسي، إلا أن التقرير حذر من أن المخاطر الأمنية والنزاعات المسلحة الأخيرة في المنطقة قد تعيد ترتيب الأوراق. ووفقاً للسيناريوهات البديلة المذكورة:
سيناريو الحرب القصيرة: إذا أدت الاضطرابات إلى تأخير البناء 6 أشهر وارتفاع تكاليف الشحن وتأمين الحرب، ستنخفض العوائد الاقتصادية للإمارات لتصبح أدنى من الولايات المتحدة بنسبة 1.7%.
سيناريو النزاع طويل الأمد: إذا امتد التأخير لعام كامل مع ارتفاع تكاليف البناء غير المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات بنسبة 20%، ستتراجع الإمارات إلى المرتبة السادسة عالمياً.
حلفاء واشنطن وخطر التخلف عن الركب
يطلق التقرير ناقوس الخطر تحذيراً من تراجع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين؛ فإجمالي قدرة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الرئيسية المعلن عنها في أوروبا مجتمعة تبدو أقل من قدرة مجمع واحد تابع لشركتي (أمازون وأنثروبيك) في ولاية إنديانا الأمريكية. كما أن دولاً مثل أستراليا وإيطاليا وكوريا الجنوبية لا تمتلك حتى الآن أي تجمعات كبيرة معروفة لرقائق الذكاء الاصطناعي قيد التشغيل التجاري.
وينبه الباحثون إلى أن هذا الفشل يتجاوز الخسائر الاقتصادية ليتحول إلى تهديد أمني وجودي. فالدول التي تستضيف هذه البنية التحتية هي من ستصيغ قيم وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وقواعد أمنه. وإذا ما سمحت الديمقراطيات للقوى الاستبدادية بقيادة هذا السباق، فإن الأخيرة ستحصل على أدوات غير مسبوقة لإعادة تشكيل النظام العالمي عبر القمع الداخلي والهيمنة العسكرية في الخارج، فضلاً عن زيادة مخاطر الحوادث الكارثية للذكاء الاصطناعي نظراً لميل الأنظمة الاستبدادية لإخفاء إخفاقاتها.
الغاز خلف العداد: الهروب من مقصلة الشبكات الكهربائية
في ظل عجز الشبكات الكهربائية العامة عن مواكبة الطلب الهائل وتأخر الموافقات التنظيمية ونقص المحولات الكهربائية الكبيرة (التي تمتد فترات انتظارها لسنوات)، لجأ مشغلو مراكز البيانات إلى حلول بديلة تعرف بـ "الطاقة خلف العداد" (BTM)
وتتمثل هذه الخطوة في بناء محطات توليد ذاتية في موقع المركز باستخدام توربينات الغاز الطبيعي، وهو النهج الذي اتبعته شركة xAI في مشروع "كولوسوس" بولاية تينيسي بقدرة 460 ميغاواط، ومشروع "ستارغيت" التابع لـ OpenAI في تكساس. ورغم أن هذا الحل يقلص وقت بدء التشغيل بسنة أو أكثر، إلا أن الخبراء يصفونه بـ "المؤقت في أحسن الأحوال" نظراً لارتفاع تكاليف التشغيل ونقص معروض التوربينات الكبيرة في الأسواق العالمية حتى عام 2028.
خارطة طريق: دعوة لتأسيس "تحالف الحوسبة الديمقراطي"
خلص التقرير الصادر عن تحالف الحوسبة والمتاح تفصيلياً عبر موقع مؤسسة كارنيغي إلى تقديم توصيات حاسمة للحكومات الديمقراطية لمواجهة هذا التحدي عبر مسارين:
١- الصعيد المحلي (الإصلاح التنظيمي)
المسارات السريعة: استحداث إجراءات مراجعة وتراخيص خاطفة للمشاريع التي تلتزم بمعايير الطاقة النظيفة والاستثمار في الشبكات.
مرونة الشبكة الكهربائية: إصلاح طوابير الربط البيني وتشجيع تصنيع المعدات الحيوية محلياً لتفادي نقص سلاسل التوريد.
الابتعاد عن الدعم المالي المباشر: يدعو التقرير الحكومات إلى التوقف عن هدر الأموال العامة في دعم صناعة مربحة وممولة جيداً بالفعل عبر إعانات الطاقة أو الإعفاءات الضريبية الضخمة، والتركيز بدلاً من ذلك على تذليل العقبات الزمنية.
٢- الصعيد الدولي (التعاون الاستراتيجي)
يؤكد المؤلفون (ألاسدير فيليبس-روبينز، تيدي طويل، وسام وينتر-ليفي) أنه لا يمكن لأي دولة ديمقراطية بمفردها -بما في ذلك الولايات المتحدة- بناء البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي.
لذا، يوصي التقرير بتدشين "تحالف ديمقراطي عريض للحوسبة" يربط نقاط القوة الجغرافية، والمالية، وسلاسل التوريد (بدءاً من المعادن الحيوية وصولاً إلى النشر النهائي)، بهدف الحفاظ على مركز ثقل الذكاء الاصطناعي داخل العالم الحر وضمان تطوير أنظمة تحويلية آمنة وموثوقة تعكس القيم الليبرالية.
أضف تعليقاً