لم تعد الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد أحداث عسكرية متفرقة، وأنما باتت تمثل مؤشراً على تحول تدريجي في طبيعة الصراع حيث أصبحت الرسائل الاستراتيجية لا تقل أهمية عن النتائج الميدانية. وفي هذا السياق تثير الهجمات الإيرانية الأخيرة على عدد من المواقع العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط تساؤلات حول مدى فاعلية سياسة الردع الأمريكية، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو قواعد اشتباك جديدة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن الهجمات التي استهدفت تسعة مواقع أمريكية خلال الأسبوعين الماضيين ألحقت أضراراً بعدد من المنشآت العسكرية، شملت مرافق سكنية وتشغيلية، وملاجئ للطائرات المسيّرة، ومنظومات رادار، فضلاً عن منشآت أخرى داخل القواعد المستهدفة. كما أشار التقرير إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الأمريكية ولا سيما في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن.
ورغم تأكيد الإدارة الأمريكية مراراً أن العمليات العسكرية السابقة أضعفت القدرات الإيرانية، فإن استمرار تنفيذ هجمات دقيقة على مواقع عسكرية أمريكية يوحي بأن طهران ما زالت تمتلك القدرة على التخطيط والتنفيذ والوصول إلى أهداف تعتبرها ذات قيمة عسكرية. وهذا لا يعني بالضرورة أن ميزان القوة قد انقلب، لكنه يشير إلى أن استراتيجية الردع الأمريكية تواجه اختباراً متجدداً.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال البعد الإعلامي في هذه المواجهة فالحرب الدائرة ليست عسكرية فقط هي أيضاً حرب روايات. إذ تعتمد إيران على نشر مقاطع مصورة وصور لعملياتها بهدف تعزيز صورة الردع وإظهار قدرتها على استهداف الوجود الأمريكي، بينما تفرض الولايات المتحدة قيوداً على نشر صور الأقمار الصناعية الخاصة بمواقعها العسكرية، مبررة ذلك بحماية القوات ومنع كشف تفاصيل قد تستفيد منها الجهات المعادية. وبين الروايتين يبقى التحقق المستقل من حجم الأضرار أمراً معقداً في ظل محدودية البيانات المتاحة.
ومن الناحية الاستراتيجية تبدو الرسالة الإيرانية واضحة استهداف القواعد الأمريكية لم يعد استثناءً، اذ أصبح جزءاً من أدوات الضغط والرد على أي تصعيد عسكري. أما الرسالة الأمريكية فتتمثل في الإصرار على استمرار وجودها العسكري في المنطقة مع السعي إلى احتواء الهجمات ومنعها من التحول إلى مواجهة إقليمية شاملة.
لكن ما يلفت الانتباه أن الضربات الأخيرة لم تقتصر على دولة واحدة حيث طالت مواقع في أكثر من بلد، وهو ما يعكس اتساع رقعة التوتر وتشابك المصالح الأمنية في الشرق الأوسط. كما أن تكرار استهداف قواعد سبق أن تعرضت لهجمات خلال الأشهر الماضية يشير إلى أن هذه المنشآت ستظل أهدافاً محتملة طالما استمرت حالة التصعيد بين واشنطن وطهران.
وفي المحصلة، قد لا تكون الضربات الأخيرة حاسمة من الناحية العسكرية لكنها تحمل دلالات سياسية واستراتيجية مهمة. فهي تعكس استمرار قدرة إيران على إرباك الوجود العسكري الأمريكي، وفي الوقت نفسه تكشف أن سياسة الردع المتبادل ما زالت تحكم العلاقة بين الطرفين، بحيث يسعى كل جانب إلى توجيه ضربات محسوبة تحقق أهدافاً سياسية وعسكرية دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
ومع استمرار هذا النمط من المواجهة تبدو المنطقة أمام مرحلة تتسم بتصعيد محدود لكنه متكرر، حيث تُدار الصراعات عبر ضربات دقيقة ورسائل مدروسة أكثر من كونها مواجهات شاملة. ويبقى السؤال الأهم.. هل تنجح هذه المعادلة في منع حرب أوسع، أم أنها تؤجل فقط انفجاراً قد يكون أكثر خطورة في المستقبل؟
ع ع
أضف تعليقاً