في مشهد يعكس تشابك الأبعاد القانونية مع الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة، عادت قضية مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واجهة النقاش، عقب تصريحات النائبة الديمقراطية رشيدة طليب التي أبدت فيها تأييدها لدعوة عمدة نيويورك زهران ممداني إلى اعتقاله، ما فتح الباب أمام جدل واسع يتجاوز الإطار السياسي إلى تساؤلات قانونية معقدة.
وجاءت تصريحات طليب في مقطع مصوّر، حيث وصفت نتنياهو بأنه «مجرم حرب»، وقالت بشكل مباشر: «اعتقلوه»، مضيفة بنبرة لافتة: «إذا كان يحتاج إلى مساعدة، فليتصل بي»، وهو ما اعتُبر تصعيداً سياسياً يعكس استمرار الانقسام داخل الساحة الأميركية بشأن الحرب في غزة، وموقف واشنطن من المساءلة الدولية.
في المقابل، بدا موقف ممداني أكثر حذراً، إذ أوضح في رسالة مصورة أن مدينة نيويورك، وفق التقييمات القانونية المتاحة، لا تمتلك «سلطة قانونية مستقلة» لتنفيذ مذكرة التوقيف، مشيراً إلى أن مثل هذا الإجراء يدخل ضمن اختصاص الحكومة الفيدرالية، رغم تأكيده في الوقت ذاته أن نتنياهو «غير مرحب به» داخل المدينة، في محاولة للجمع بين الموقف السياسي والقيود القانونية.
وتعود خلفية هذا الجدل إلى تشرين الثاني/نوفمبر 2024، عندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، استناداً إلى اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سياق العمليات العسكرية في غزة، وهو قرار أثار منذ صدوره تفاعلات سياسية وقانونية واسعة على المستوى الدولي.
ولا تقف المسألة عند حدود المواقف المعلنة، بل تتعمق في إشكالية قانونية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، إذ إن واشنطن ليست طرفاً في نظام روما الأساسي، ما يجعل تنفيذ أي مذكرة صادرة عن المحكمة داخل الأراضي الأميركية مرتبطاً بالقوانين الفيدرالية والتفسيرات الدستورية، وليس التزاماً قانونياً مباشراً بمجرد صدور القرار الدولي.
ويعكس التباين بين موقفي طليب وممداني هذا التعقيد؛ فبينما تتبنى الأولى خطاباً سياسياً ضاغطاً يدفع نحو تفعيل المذكرة، يميل الثاني إلى مقاربة أكثر واقعية تستند إلى حدود الصلاحيات القانونية، ما يسلط الضوء على الفجوة بين الطرح السياسي وإمكانية التطبيق العملي.
ويكشف هذا السجال عن مفارقة لافتة في العلاقة بين الولايات المتحدة ومنظومة العدالة الدولية، حيث تصدر المحكمة قراراتها في إطار قانوني دولي، بينما يظل تنفيذها رهناً باعتبارات السيادة الوطنية والتوازنات السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات تمثل حلفاء استراتيجيين لواشنطن.
وفي ظل استمرار الحرب في غزة وتصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة، لا تبدو القضية مجرد خلاف سياسي عابر، بل تتحول إلى اختبار أوسع يتعلق بمدى التزام واشنطن بمبادئ المساءلة الدولية، وحدود الحصانة السياسية، والسؤال الأعمق حول من يملك القرار النهائي في تنفيذ العدالة الدولية عندما تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية.
أضف تعليقاً