النبأ: شهد الشرق الأوسط تصعيداً متزامناً على عدة جبهات، مع إطلاق إيران موجة جديدة من الصواريخ باتجاه مواقع للقوات الأمريكية في المنطقة، بالتزامن مع تنفيذ الولايات المتحدة والسعودية ضربات جوية استهدفت مواقع لفصائل عراقية، في تطورات أعادت المخاوف من اتساع رقعة الصراع والعودة إلى مواجهة شاملة.
وأفادت المعطيات المتداولة بأن الضربات الأمريكية والسعودية أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 20 مقاتلاً وإصابة 32 آخرين، فيما أفاد مسؤولان من الفصائل العراقية بمقتل ستة مستشارين إيرانيين أيضاً، وفق ما نقلته وكالة أسوشييتد برس عن مصدرين طلبا عدم الكشف عن هويتهما لعدم امتلاكهما صلاحية التصريح علناً.
وفي تطور آخر، اندلعت حرائق في سفينتين لنقل الغاز الطبيعي داخل ميناء دمياط المصري إثر غارات جوية بطائرات مسيرة، بحسب شركة "أمبري" البريطانية المتخصصة في الأمن البحري.
ولم تتضح على الفور الجهة التي تقف وراء الهجمات، والتي طالت منشأة تخزين عائمة مملوكة للولايات المتحدة وناقلة نفط مملوكة لليونان، فيما لم ترد تقارير عن وقوع إصابات.
تصعيد متعدد الجبهات يهدد بعودة الحرب الشاملة
جاءت هذه التطورات بعد أيام من الهدوء النسبي، لتزيد المخاوف من إمكانية عودة الصراع إلى حرب واسعة النطاق، خصوصاً مع استمرار المواجهة منذ خمسة أشهر وتأثيراتها المتزايدة على الاقتصاد العالمي.
كما أعادت الأعمال العسكرية المتجددة طرح المخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على مواصلة استنزاف مخزوناتها من الذخائر المتطورة، في ظل الحاجة إلى توفير الأسلحة اللازمة لحماية قواعدها وحلفائها في المنطقة.
وتكتسب التطورات في مصر أهمية خاصة، باعتبارها حليفاً مقرباً للولايات المتحدة ووسيطاً إقليمياً رئيسياً، فضلاً عن كونها من الدول القليلة في الشرق الأوسط التي لم تتعرض حتى الآن لعمل عسكري مباشر خلال الحرب.
وفي حال تأكد تورط إيران أو أطراف مرتبطة بها في الهجمات التي استهدفت منشآت أو سفناً في مصر، فإن ذلك سيمثل تحولاً إضافياً في مسار التصعيد.
وعندما سُئل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال فعالية في المكتب البيضاوي عما إذا كانت إيران مسؤولة عن الهجمات التي استهدفت ناقلات الغاز الطبيعي، قال إن الأمر "لا يعدو كونه تكراراً لما سبق".
وأضاف ترامب أن الأمور "ستتحسن"، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستوجه "ضربة قوية" وأن الجانب الآخر يعلم أن ذلك قادم، على حد تعبيره.
السعودية تتهم فصائل عراقية باستهداف منشآتها
من جانبها، اتهمت السعودية فصائل عراقية بإطلاق طائرات مسيرة باتجاه منشآتها النفطية خلال اليومين السابقين.
ونفت مجموعة من الفصائل العراقية هذه الاتهامات في البداية، في حين أعلنت جماعة أخرى مدعومة من إيران، وهي جماعة الحوثيين في اليمن، تنفيذ هجمات على منشآت الطاقة السعودية، في إطار نزاع منفصل لكنه مرتبط بالتوتر الإقليمي الأوسع.
وكان وسطاء قد أبدوا قبل اندلاع موجة التصعيد الأخيرة تفاؤلاً بإمكانية عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، إلا أن اتفاقاً مؤقتاً انهار خلال الأسابيع الماضية مع تجدد القتال في منطقة مضيق هرمز.
ويُعد المضيق ممراً رئيسياً لإمدادات الطاقة العالمية، فيما أدت الهجمات الإيرانية إلى تعطيل حركة الملاحة فيه مجدداً بصورة فعلية.
وقال مسؤول إقليمي إن الوسطاء "ما زالوا يحاولون مع كلا الجانبين" إعادة الهدوء ووضع مسار وقف إطلاق النار على طريق الاستئناف.
ولم يكشف المسؤول عن تفاصيل بشأن مستوى التقدم في المفاوضات، متحدثاً شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية المحادثات المغلقة.
النفط يقفز مع اتساع رقعة المواجهة
وانعكس التصعيد سريعاً على أسواق الطاقة، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد.
وقفز سعر خام برنت، المعيار الدولي، بنسبة 3.1% ليصل إلى 84.58 دولاراً للبرميل، في ظل المخاوف من أن يؤدي استمرار الهجمات إلى تهديد مزيد من طرق إمدادات النفط والغاز في المنطقة.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني أنه أطلق صواريخ باليستية باتجاه قاعدة موفق سلطي الجوية في الأردن، وهي منشأة عسكرية تضم وجوداً أمريكياً رئيسياً في المنطقة، وفق بيان نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"
وفي المقابل، أعلن الجيش الأردني اعتراض وتدمير خمسة صواريخ إيرانية، دون تسجيل إصابات أو أضرار، وفق المعلومات الأولية.
وبعد ذلك، أعلن الجيش الأمريكي أن طائرات مقاتلة أمريكية وسعودية نفذت ضربات على مواقع لوجستية ومخازن أو مواقع أسلحة في شرق العراق، رداً على ما وصفته بهجمات بطائرات مسيرة استهدفت السعودية.
وحذرت وزارة الدفاع السعودية من أنها "لا تسعى إلى التصعيد"، لكنها أكدت أنها سترد على أي عدوان.
الحشد الشعبي يعلن حصيلة الضحايا
أعلنت قوات الحشد الشعبي، الذي يخضع رسمياً لقيادة الجيش العراقي، استشهاد ما لا يقل عن 20 مقاتلاً وإصابة 32 آخرين نتيجة الغارات الجوية الليلية.
كما أفاد مسؤولان في فصائل عراقية لوكالة أسوشييتد برس بمقتل ستة مستشارين إيرانيين، شريطة عدم الكشف عن هويتهما، لعدم تخويلهما بالتصريح علناً.
وكان الحشد الشعبي قد انخرط في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية بعد سيطرته على أجزاء واسعة من العراق عام 2014.
وصنفت الحكومة العراقية الحشد لاحقاً بوصفه "تشكيلًا عسكرياً مستقلاً" ضمن القوات المسلحة، إلا أن عدداً من الفصائل التابعة له احتفظت بدرجة كبيرة من الاستقلالية، فيما سبق لبعضها تنفيذ هجمات استهدفت منشآت أمريكية.
بغداد تدين الضربات وتصفها بانتهاك للسيادة
وأدانت الحكومة العراقية الضربات الأمريكية والسعودية، في وقت أفاد فيه مراسل لقناة "فوكس نيوز" بأن ترامب أبلغه بأن العمليات تمت بالتنسيق مع الحكومة العراقية.
ووصف مكتب الرئيس العراقي نزار أميدي الغارات بأنها "انتهاك صارخ لسيادة العراق".
بدوره، قال مجلس الأمن القومي العراقي إن الضربات وقعت في وقت كانت فيه الحكومة العراقية على اتصال بالأطراف المعنية بهدف بحث المخاوف التي أثارها الجانبان السعودي والأمريكي ومعالجتها.
وأضاف المجلس أن عدداً من الأبرياء قتلوا وأصيبوا نتيجة الهجمات.
وفي تطور سياسي مرتبط بالتصعيد، قال مسؤولان حكوميان عراقيان إن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى السعودية، والتي كان من المقرر أن تجري يوم الخميس، تأجلت إلى أجل غير مسمى.
وقال المسؤولان، اللذان تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما، إنهما غير مخولين بالتعليق علناً على أسباب التأجيل.
منشآت النفط السعودية تحت الضغط
ولا يقتصر التصعيد على العراق، إذ تواجه السعودية في الوقت نفسه جولة جديدة من المواجهة مع الحوثيين في اليمن.
وأعلن الحوثيون فرض حصار على الملاحة السعودية، في خطوة قد تهدد طريقاً تجارياً مهماً آخر في المنطقة، هو مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
وكان الحوثيون قد أعلنوا يوم الاثنين إطلاق طائرات مسيرة باتجاه منشآت نفطية تستخدم لنقل النفط عبر الأراضي السعودية إلى مدينة ينبع الساحلية على البحر الأحمر.
وتعد ينبع ممراً مهماً لصادرات النفط السعودية، خصوصاً في ظل استمرار تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وقال الحوثيون إن الهجوم جاء رداً على طائرة مسيرة سعودية قالوا إنها اخترقت المجال الجوي اليمني.
وأظهرت صور أقمار صناعية التقطتها شركة "بلانيت لابز" يوم الاثنين وحللتها وكالة أسوشييتد برس، أضراراً في منشأة بقيق لمعالجة النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمنشأة الضخمة نحو 7 ملايين برميل من النفط الخام يومياً.
وفي تطور منفصل، قال مسؤول إقليمي إن مصفاة نفط في جازان، الواقعة على ساحل البحر الأحمر السعودي، أغلقت مؤقتاً بسبب أضرار وصفها بأنها «كبيرة نسبياً» جراء هجوم شنه الحوثيون يوم السبت.
وأضاف المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالتصريح للصحفيين، أن إصلاح المصفاة سيحتاج إلى عدة أيام. وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمصفاة نحو 400 ألف برميل يومياً.
هرمز.. عقدة الصراع الجديدة
وسط هذا التصعيد المتعدد، ظل مضيق هرمز أحد أبرز نقاط التوتر في المواجهة.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني إن طهران رفضت مقترحاً قدمته سلطنة عمان، التي تقع على الجانب الآخر من المضيق، لإدارة حركة الملاحة البحرية بصورة مشتركة.
وفي مقابلة مع التلفزيون الإيراني الرسمي، أوضح كاظم غريب آبادي أن المقترح العماني يتضمن تقسيم المضيق إلى مسارين لتنظيم حركة السفن.
وأضاف أن إيران قدمت مقترحاً مضاداً يقوم على خطة مؤقتة تسمح للسفن بالعبور عبر المياه الإقليمية الإيرانية.
وأكد أن سياسة طهران تقوم على أن المضيق "لن يعود أبداً إلى وضعه قبل الحرب"، عندما كانت السفن تعبره بحرية.
وبذلك، باتت التطورات في العراق والأردن والسعودية واليمن ومصر ومضيق هرمز مترابطة ضمن مشهد أمني واحد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار الضربات والهجمات المتبادلة إلى توسيع نطاق المواجهة، وتعقيد الجهود الدبلوماسية الرامية إلى استعادة وقف إطلاق النار، ورفع مستوى المخاطر على إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية.
أضف تعليقاً