تواجه شركات الذكاء الاصطناعي تحدياً متزايداً يتمثل في الحصول على بيانات جديدة وعالية الجودة لتدريب نماذجها وتحسين قدراتها، بعدما استُهلك جزء كبير من المحتوى المتاح مجاناً على الإنترنت، في وقت تتزايد فيه كمية المواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي نفسه، ما يثير مخاوف من تراجع جودة البيانات المستخدمة في التدريب.
وفي ظل هذا النقص، بدأت شركات كبرى في التوجه إلى مصدر مختلف للبيانات، يتمثل في الكتب الورقية القديمة، التي تكتسب قيمة متزايدة في تدريب النماذج لكونها تحتوي على محتوى بشري أصلي لم يتأثر بالمحتوى المولد آلياً.
لكن ما أثار جدلاً واسعاً هو أن بعض الشركات لا تحتفظ بالكتب بعد رقمنة محتوياتها واستخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تقوم بتدمير النسخ الورقية لتقليل تكاليف التخزين، وفق تقرير نشره موقع "ذا ريجستر" البريطاني.
مشروع بنما
وكشف التقرير أن ممارسة مسح الكتب ورفع محتوياتها إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي ثم التخلص من النسخ الورقية باتت متبعة لدى عدد من الشركات الكبرى، وفي مقدمتها شركة "أنثروبيك" الأميركية و"أمازون".
وتعود هذه السياسة لدى "أنثروبيك" إلى عام 2024، عندما ظهرت مذكرة داخلية تتحدث عن مشروع حمل اسم "مشروع بنما"، خصص لمسح الكتب بطريقة تؤدي إلى التخلص من نسخها الورقية بعد رقمنتها.
وعادت القضية إلى الواجهة في أبريل الماضي، بعد موافقة "أنثروبيك" على تسوية تصل قيمتها إلى 1.5 مليار دولار مع مجموعة من الكتاب الذين اتهموا الشركة بانتهاك حقوق الملكية الفكرية لأعمالهم، وفق تقرير سابق لمنظمة "Authors Guild".
وتشير التقارير إلى أن الشركة كانت تخطط لمسح وتدمير ما بين 500 ألف ومليوني كتاب خلال ستة أشهر، ضمن تعاقد مع متعهد خارجي واحد.
أمازون تتبع النهج ذاته
ولا تقتصر هذه الممارسة على "أنثروبيك"، إذ تتبع "أمازون" نهجاً مشابهاً في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التابعة لها، من خلال شراء كميات كبيرة من الكتب القديمة والنادرة، ثم رقمنتها وإدخال محتوياتها إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي قبل التخلص من النسخ الورقية.
وكشف تحقيق استقصائي نشره موقع "404 ميديا" عن عمليات شراء واسعة للكتب، بعضها نادر ولم يعد متاحاً في الأسواق، بعد أن تتبع التحقيق شحنة من الكتب باستخدام جهاز "إيرتاغ".
ووصلت الشحنة إلى مستودع تابع لـ"أمازون"، حيث لاحظ التحقيق وجود لوحة تصور ديناصور "تي ريكس" وهو يلتهم الكتب. وقال موظفون في المستودع إن عملهم يتضمن مسح الكتب على مدار اليوم.
ملايين الكتب في دائرة الاستهداف
ولا توجد أرقام دقيقة لحجم الكتب التي استخدمتها شركات الذكاء الاصطناعي في تدريب نماذجها، إلا أن التقديرات الواردة في التقارير تشير إلى إمكانية وصول العدد إلى ملايين النسخ.
وكانت "أنثروبيك" تخطط لمسح وتدمير ما بين 500 ألف ومليوني كتاب خلال ستة أشهر، بينما كشف تحقيق "404 ميديا" عن عمليات شراء وصلت في بعض الحالات إلى مليون كتاب في الطلبية الواحدة.
ولا تقتصر عمليات شراء الكتب على الولايات المتحدة، إذ أشار تقرير نشرته مجلة "فوربس" إلى انتشار هذه السياسة في دول أوروبية وفي المملكة المتحدة، مع وجود طلبات تتضمن كتباً نادرة خرجت من دورة الطباعة.
لماذا تدمر الشركات الكتب؟
بحسب تقرير "ذا ريجستر"، فإن أحد التفسيرات المطروحة لتدمير الكتب بعد رقمنتها هو منع المنافسين من الوصول إلى المصادر نفسها واستخدامها في تدريب نماذج منافسة، بما يمنح الشركات التي تمتلك هذه البيانات أفضلية في سباق تطوير النماذج.
وأثارت هذه الممارسات اعتراض منظمات حقوقية، دفعتها إلى مخاطبة هيئة التجارة الفيدرالية الأميركية للتحذير من تداعياتها المحتملة على المنافسة.
ومن الناحية القانونية، لا يعني تدمير النسخ الورقية بالضرورة ارتكاب مخالفة، إذ إن مالك النسخة التي اشتراها بصورة قانونية يملك، من حيث المبدأ، حق التصرف فيها. لكن الإشكالية الأكبر ترتبط باستخدام محتوى الكتب في تدريب النماذج، ومدى توافق ذلك مع حقوق المؤلفين والملكية الفكرية.
وتزداد صعوبة إثبات استخدام أعمال بعينها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي بسبب عدم إفصاح الشركات عادةً عن قواعد البيانات الكاملة التي تعتمد عليها في تدريب نماذجها.
وتفتح هذه الممارسات نقاشاً أوسع حول الثمن الذي قد يدفعه التراث المعرفي والبشري في ظل السباق العالمي لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بكتب نادرة قد لا تتوافر نسخ أخرى منها مستقبلاً.
المصدر: وكالات
أضف تعليقاً