تتسع حول العالم حركة سياسية وتشريعية تهدف إلى الحد من استخدام الأطفال والمراهقين الصغار لمنصات التواصل الاجتماعي، مع توجه حكومات متزايدة إلى فرض قيود عمرية أو حظر الوصول إلى المنصات التي تعتمد على تقنيات مصممة لجذب المستخدمين وإبقائهم لأطول فترة ممكنة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" The New York Times، وترجمته وكالة النبأ، ان أستراليا بدأت هذا المسار على نطاق وطني عندما أصبحت في كانون الأول/ديسمبر 2025 كأول دولة تفرض حظراً شاملاً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً، في خطوة أثارت اهتماماً واسعاً في دول أخرى تسعى إلى تبني إجراءات مماثلة لحماية الأطفال من مخاطر الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية.
وتشمل القيود الأسترالية عدداً من أكبر المنصات، بينها "إنستغرام" و"فيسبوك" و"تيك توك" و"سناب شات" و"يوتيوب"، مع تحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية اتخاذ إجراءات لمنع المستخدمين الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً من إنشاء حسابات أو الاحتفاظ بها.
ومنذ ذلك الحين، بدأت دول أخرى في دراسة أو إقرار إجراءات مشابهة، وإن اختلفت الحدود العمرية وطبيعة القيود من دولة إلى أخرى.
وفي أوروبا، اتجهت فرنسا إلى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 15 عاماً، فيما بحثت دول أخرى، بينها اليونان وإسبانيا والنرويج وألمانيا وإيطاليا، إجراءات تفرض حداً أدنى للعمر أو تشترط موافقة الوالدين أو استخدام آليات للتحقق من عمر المستخدمين.
كما دخلت دول خارج أوروبا على خط النقاش. فقد اتخذت ماليزيا وإندونيسيا خطوات لتقييد وصول القاصرين إلى منصات التواصل، بينما تدرس دول أخرى في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تشريعات مشابهة. وتظهر هذه التحركات اتجاهاً دولياً متنامياً نحو تحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية أكبر عن حماية المستخدمين القاصرين.
وفي نيوزيلندا، أعلنت الحكومة هذا الأسبوع خططاً لتقديم مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من هم دون 16 عاماً، مع إلزام الشركات باتخاذ إجراءات معقولة للتحقق من أعمار المستخدمين. ويتضمن المقترح إمكانية فرض غرامات كبيرة على الشركات المخالفة.
وتستند الحكومات المؤيدة لهذه الإجراءات إلى مخاوف متزايدة بشأن تأثير الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، بما في ذلك النوم والصحة النفسية والتعليم والحياة الأسرية، فضلاً عن المخاوف من المحتوى الضار وآليات التوصية الخوارزمية التي قد تدفع المستخدمين إلى قضاء وقت أطول على المنصات.
لكن الاتجاه نحو الحظر لا يخلو من الجدل. فمنتقدون يحذرون من صعوبة تطبيق القيود، ومن احتمال لجوء الأطفال إلى وسائل للتحايل على أنظمة التحقق من العمر، إضافة إلى المخاوف المتعلقة بالخصوصية وجمع بيانات الأطفال للتحقق من أعمارهم.
وتقدم التجربة الأسترالية مثالاً على هذه الصعوبات. فقد أظهرت بيانات لاحقة أن نسبة كبيرة من المراهقين لا تزال قادرة على الوصول إلى المنصات رغم القيود، الأمر الذي دفع السلطات إلى بحث تشديد إجراءات التنفيذ ومنح الجهات التنظيمية صلاحيات أكبر لمراقبة امتثال شركات التكنولوجيا.
وفي المقابل، يرى مؤيدو القيود أن الصعوبات التنفيذية لا تعني التخلي عن الفكرة، بل تستدعي تطوير وسائل أكثر فاعلية للتحقق من العمر، وتشديد مسؤولية الشركات بدلاً من تحميل الأطفال أو آبائهم وحدهم مسؤولية التعامل مع المنصات.
ولا يقتصر النقاش على الحظر الكامل؛ إذ تتجه بعض الحكومات إلى حلول وسط، مثل فرض قيود على الإعلانات الموجهة للأطفال، وتقييد الإشعارات، ووضع حدود زمنية للاستخدام، ومنع بعض أنواع المحتوى، أو إلزام المنصات بإجراء تقييمات للمخاطر التي تشكلها خوارزمياتها على القاصرين.
ويأتي هذا التحول العالمي في وقت تواجه فيه شركات التكنولوجيا الكبرى ضغوطاً قانونية وسياسية متزايدة بشأن تأثير منصاتها على الأطفال. وفي الولايات المتحدة، وافقت شركة "ميتا" على تسوية تصل قيمتها إلى 17.1 مليار دولار مع الولايات والأقاليم الأمريكية بشأن دعاوى اتهمت منصاتها، بينها "فيسبوك" و"إنستغرام"، بالمساهمة في الإدمان على وسائل التواصل والإضرار بالقاصرين.
وتشير هذه التطورات إلى أن الجدل بشأن استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي لم يعد قضية تترك للآباء وحدهم، بل تحول إلى ملف سياسي وتنظيمي عالمي، مع انتقال الحكومات من مطالبة الشركات بحماية الأطفال طوعاً إلى بحث قوانين تفرض عليها التزامات واضحة.
ومع اتساع نطاق الإجراءات، يبقى السؤال الرئيسي أمام الحكومات هو ما إذا كان وضع حد أدنى للعمر قادراً فعلاً على حماية الأطفال، أم أن الحل الأكثر فاعلية يكمن في إعادة تصميم المنصات نفسها، بحيث تصبح أقل اعتماداً على تقنيات جذب الانتباه والإدمان وأكثر أماناً للمستخدمين القاصرين.
أضف تعليقاً