يرى أندرو إل. بيك وجوناثان بانيكوف، في تحليل نشره المجلس الأطلسي "Atlantic Council"، أن النظام الإيراني لا يبدو مستعدا للرضوخ بسهولة أمام الضغوط الأمريكية، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة التي تواجهها طهران.
ويشير الكاتبان في التحليل، الذي ترجمته وكالة النبأ، إلى أن القيادة الإيرانية الحالية تشكلت إلى حد كبير في ظل تجربة الحرب العراقية الإيرانية، الأمر الذي جعلها أكثر استعدادا لتحمل الضغوط والمواجهة بدلا من تقديم تنازلات سريعة.
وبحسب بيك وبانيكوف، يعتمد صمود النظام الإيراني على عدة عوامل، أبرزها تماسك قواته الأمنية، وقدرته على احتواء الاضطرابات الداخلية، والحفاظ على نفوذه الإقليمي، في وقت تمثل فيه صادرات النفط واحتياطيات العملات الأجنبية أبرز نقاط الضعف أمام العقوبات والضغوط الأمريكية.
ويستشهد الكاتبان بتصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن "لا أحد منح الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرصة أكبر لعقد صفقة مني"، محذرا من أن رفض طهران التوصل إلى اتفاق سيقود إلى "حرب اقتصادية وعزلة على نطاق غير مسبوق".
ويرى التحليل أن النهج الأمريكي الحالي قد يمثل عودة إلى سياسة "الضغط الأقصى" التي اتبعتها إدارة ترامب الأولى، لكن مع فارق يتمثل في استعداد واشنطن لاستخدام القوة العسكرية، وهو ما أظهرته التطورات الأخيرة.
ويعتقد الكاتبان أن هذه السياسة قد تحقق نتائج، لكنها تحتاج إلى وقت، خصوصا أن إيران يقودها مسؤولون من جيل الحرس الثوري الذي خاض الحرب العراقية الإيرانية، وهي تجربة تركت أثرا عميقا في طريقة تفكير القيادة السياسية والأمنية في البلاد.
الحرب العراقية الإيرانية.. التجربة التي شكلت القيادة
يشير بيك وبانيكوف إلى أن النظرة الغربية إلى إيران كثيرا ما تركز على طبيعة النظام الدينية، لكنها تتجاهل في أحيان كثيرة التجربة العسكرية التي شكلت عددا كبيرا من قادته، وفي مقدمتها الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت قرابة ثماني سنوات.
ويذكر الكاتبان أن عددا من الشخصيات الإيرانية البارزة في الوقت الحالي كانت مرتبطة بالحرس الثوري خلال تلك الحرب، ومن بينهم محمد باقر قاليباف، ومسعود بزشكيان، وأحمد وحيدي، ومحسن رضائي.
ويرى التحليل أن هذه الخبرة التاريخية ساعدت في تشكيل قيادة سياسية وأمنية أكثر استعدادا لخوض صراعات طويلة وتحمل الخسائر بدلا من الاستسلام تحت الضغط.
الاحتجاجات.. اختبار حقيقي لتماسك النظام
ويرى الكاتبان أن الاحتجاجات الداخلية تمثل أحد أهم المؤشرات على مدى قدرة النظام الإيراني على الصمود، لكن الأمر لا يتعلق بحجم الاحتجاجات وحده، بل بمكان اندلاعها والفئات الاجتماعية المشاركة فيها.
ويقول التحليل إن النظام يمتلك خبرة واسعة في التعامل مع احتجاجات الطبقة الوسطى والعليا، بما في ذلك الطلاب وسكان المناطق الثرية في طهران والإيرانيين المرتبطين بالخارج.
لكن الاحتجاجات التي تمتد إلى المناطق والأقاليم وتستقطب الطبقات الفقيرة والعمال والفئات التي تشكل جزءا من قاعدة قوات الأمن قد تمثل تحديا أكبر.
وبحسب بيك وبانيكوف، فإن حدوث شرخ داخل الأجهزة الأمنية سيكون من أخطر المؤشرات على ضعف النظام، لأن قدرة طهران على قمع الاحتجاجات تعتمد بصورة أساسية على تماسك هذه الأجهزة.
النفط والعملات الأجنبية.. الخاصرة الأضعف
يضع الكاتبان صادرات النفط واحتياطيات العملات الأجنبية في مقدمة نقاط الضعف التي يمكن أن تستغلها الولايات المتحدة في الضغط على إيران.
فطهران تحتاج إلى العملات الأجنبية لتمويل الواردات، ودعم العملة المحلية، وتمويل أنشطتها الإقليمية، فيما تظل مبيعات النفط المصدر الرئيسي لهذه الإيرادات.
ويشير التحليل إلى أن العقوبات الدولية التي استهدفت قطاع النفط الإيراني ساهمت في السابق في خفض الصادرات بصورة كبيرة، وهو ما ساعد في دفع طهران نحو التفاوض الذي أفضى إلى الاتفاق النووي عام 2015.
وخلال سياسة "الضغط الأقصى" في ولاية ترامب الأولى، تراجعت صادرات النفط الإيرانية بصورة حادة، كما انخفضت احتياطيات العملات الأجنبية المتاحة لدى طهران.
ويرى الكاتبان أن استمرار الضغوط على هذه الموارد يمكن أن يضع النظام أمام خيارات أكثر صعوبة، خصوصا إذا تزامن ذلك مع ارتفاع التضخم وتراجع القدرة على تمويل الدولة.
ثلاثة عوامل قد تهز النظام
ويحدد بيك وبانيكوف ثلاثة عوامل يمكن أن تؤدي، إذا اجتمعت، إلى إضعاف قبضة النظام الإيراني.
أولها، تراجع قدرة إيران على تصدير النفط وتوفير العملات الأجنبية.
وثانيها، حدوث تراجع في تماسك النظام وأجهزته الأمنية والعسكرية.
وثالثها، تحول الضغوط الاقتصادية والتضخم إلى احتجاجات شعبية واسعة ومستدامة.
لكن الكاتبين يحذران من أن تحقق هذه العوامل لا يعني بالضرورة انهيار النظام بصورة سريعة، إذ أثبتت الجمهورية الإسلامية خلال العقود الماضية قدرتها على امتصاص الأزمات والاحتجاجات والضغوط الخارجية.
هل ينهار النظام أم يواصل الصمود؟
ويخلص أندرو إل. بيك وجوناثان بانيكوف، في تحليلهما، إلى أن مؤشرات الضغط على النظام الإيراني واضحة، لكن تحديد اللحظة التي يمكن أن تؤدي فيها هذه الضغوط إلى تغيير سياسي يبقى أمرا بالغ الصعوبة.
ويحذر الكاتبان من أن الولايات المتحدة لا تملك سجلا مثاليا في توقع مسارات الأنظمة السياسية الأخرى، ولذلك فإن سقوط الجمهورية الإسلامية لا يمكن اعتباره نتيجة حتمية للضغوط الحالية.
وفي المقابل، لا يمكن استبعاد احتمال أن يؤدي استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية إلى إضعاف النظام تدريجيا، خصوصا إذا تزامن ذلك مع تراجع الموارد المالية وازدياد الاستياء الشعبي وظهور انقسامات داخل مؤسسات السلطة.
ويترك التحليل الباب مفتوحا أمام عدة سيناريوهات، من استمرار الجمهورية الإسلامية لسنوات طويلة، إلى حدوث تغيرات سياسية عميقة داخل إيران، مؤكدا أن أي تحول من هذا النوع ستكون له تداعيات كبيرة على الإيرانيين والمنطقة والولايات المتحدة على حد سواء.
أضف تعليقاً