بقلم: تريتا بارسي
ينبغي للقادة الإقليميين أن يتبنوا بصورة عاجلة نموذجاً جديداً تتحمل فيه دول المنطقة المسؤولية الأساسية عن أمن الشرق الأوسط.
مرة أخرى، وضع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ثقته في الرئيس الأميركي دونالد ترامب للدفاع عن السعودية. ومرة أخرى، خذله ترامب.
في الأسبوع الماضي، وبينما كانت قوات الحوثيين تتقدم على ساحل البحر الأحمر في اليمن، اتصل محمد بن سلمان بترامب مرتين، وحثه على شن ضربات أميركية، لكن ترامب رفض، عارضاً بدلاً من ذلك تقديم معلومات استخبارية ومساعدة في تحديد الأهداف.
ولا يعرف أحد لماذا توقع محمد بن سلمان أن يوافق ترامب، فقد سبق أن واجه الموقف نفسه.
فبعد الهجمات التي استهدفت منشأتي النفط السعوديتين في بقيق وخريص في سبتمبر/أيلول 2019، والتي حمّلت الولايات المتحدة إيران مسؤوليتها، تعرض ترامب لضغوط للرد على طهران، لكنه رفض، وقال للصحفيين صراحة إنه لم يتعهد قط بحماية السعودية.
وبعد سبع سنوات، لا يزال الافتراض نفسه قائماً في الرياض ودول مجلس التعاون الخليجي، ومفاده أن واشنطن ستأتي في نهاية المطاف لإنقاذها عندما يتعرض أمنها لتهديد بالغ، لكن ذلك لن يحدث.
ولا يقتصر الأمر على كون هذا الافتراض خاطئاً، بل إن منظومة الأمن الأميركية في الشرق الأوسط قد انتهت، والتظاهر بعكس ذلك بات يشكل خطراً على أمن المنطقة.
فقد كشفت الحرب مع إيران أن هذه المنظومة ليست موثوقة ولا فعالة. وأثبتت القواعد الأميركية في دول مجلس التعاون الخليجي أنها أصبحت مصادر لعدم الأمن بدلاً من أن تكون أدوات للحماية. وكان من المفترض أن تمنع إيران من شن حرب على دول المجلس، لكن الولايات المتحدة نفسها هي التي بدأت الحرب، رغم اعتراض عدد من دول مجلس التعاون، كما أن تلك القواعد لم تتمكن خلال الحرب من ردع إيران عن مهاجمتها.
بل تحولت القواعد إلى أهداف جذبت الهجمات الإيرانية. واليوم، يقر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ديفيد بترايوس بأن هذه القواعد "لم تعد قابلة للاستمرار" بسبب الأضرار الكبيرة التي ألحقتها بها إيران. فالولايات المتحدة لم تتمكن من حماية قواعدها من الهجمات الإيرانية، وبالتالي لا يمكنها حماية دول مجلس التعاون الخليجي.
صياغة نظام جديد
رغم أن المظلة الأميركية وفرت الأمن لسنوات، فإن النظام الذي قامت عليه، والمتمحور حول استبعاد إيران واحتوائها، مهّد الطريق للحرب الكارثية التي تشهدها المنطقة حالياً. فقد تحول تشكيل التكتلات الذي أنتجه هذا النظام وحافظ عليه إلى مصدر لعدم الاستقرار، بدلاً من أن يكون درعاً واقياً لشركاء واشنطن الإقليميين.
لكن كل أزمة تحمل معها فرصاً، فانهيار النظام القديم يتيح فرصة لصياغة نظام جديد في المنطقة، يقوم على الأمن الشامل والجماعي، ويرفض تشكيل التكتلات، ويضع مسؤولية الأمن على عاتق القوى الإقليمية نفسها بدلاً من الاعتماد على قوى خارجية.
ويعني ذلك الابتعاد عن نظام تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تنظيم نصف المنطقة في مواجهة نصفها الآخر، والانتقال إلى نظام تطور فيه دول المنطقة مؤسسات لإدارة خلافاتها.
ولا يمكن استبعاد إيران بصورة دائمة، كما ينبغي أن يكون لإسرائيل مسار للانضمام إلى هذا النظام إذا أنهت الاحتلال غير القانوني لفلسطين. ولا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تبقى معتمدة بصورة دائمة على واشنطن.
كما لا يمكن التعامل مع تركيا وباكستان والعراق بوصفها أطرافاً هامشية، ولا يمكن توقع أن تتمكن الدول الأصغر من الازدهار أو البقاء من خلال الاصطفاف مع الحليف الخارجي المناسب.
وهذه هي الفكرة التي يقوم عليها النموذج الذي طوّره مشروع "النظام الأفضل" التابع لمعهد كوينسي، والذي يدعو إلى استبدال النظام الإقليمي القائم على الردع والتحالفات والتدخل الخارجي بهيكل أمني إقليمي شامل.
وستشارك جميع الدول الرئيسية في المنطقة، بما فيها إيران وتركيا والعراق والدول العربية الأخرى، في مؤسسة دائمة مصممة لإدارة خلافاتها الحتمية، وليس القضاء عليها. وستنشئ هذه المؤسسة آليات للاتصال أثناء الأزمات وخفض التصعيد، ومنع النزاعات والوساطة، والحد من التسلح، وبناء الثقة، فضلاً عن التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، مثل المياه والمناخ والتنمية الاقتصادية.
وستتحمل دول المنطقة المسؤولية الأساسية عن أمنها الإقليمي، بينما تظل الولايات المتحدة شريكاً خارجياً مهماً من خلال تقديم الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والأمني، حيث يتم الاتفاق جماعياً على ذلك، من دون أن تكون الضامن العسكري الدائم للمنطقة.
حافز قوي
والأهم من ذلك، أن هذا الهيكل لن يتعامل مع الوضع في الخليج باعتباره منفصلاً عن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. فأي ترتيب أمني جديد في الخليج يترك الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني من دون حل، لن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج مصدر آخر لعدم الاستقرار الإقليمي.
ولذلك، فإن النموذج المقترح سيبقي الباب مفتوحاً أمام انضمام إسرائيل إلى هذا النظام، لكن شرط ذلك هو إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967.
ويرى الكاتب أن ذلك قد يوفر أقوى حافز حتى الآن لإسرائيل للتخلي عن احتلال الأراضي الفلسطينية، مشيراً إلى أن مقترح "النظام الأفضل" يختلف عن مبادرة السلام العربية لعام 2002، التي عرضت الاعتراف مقابل الاعتراف، وعن اتفاقيات أبراهام التي عرضت التطبيع مقابل التطبيع، إذ يعرض على إسرائيل الاندماج في الهيكل الأمني للمنطقة، شريطة احترام حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم.
وسيكون ذلك أيضاً مكسباً للولايات المتحدة، التي لطالما أظهر شعبها تأييداً لإعادة القوات الأميركية إلى الوطن، وسط استياء واسع من إنفاق الموارد الأميركية في المنطقة بدلاً من إنفاقها في الداخل.
ويمكن للولايات المتحدة أن تظل منخرطة بعمق دبلوماسياً واقتصادياً واستراتيجياً، مع تقليص العبء العسكري الذي تحملته لعقود بصورة كبيرة. وستتحمل دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها، لكنها ستفعل ذلك بصورة جماعية، بدلاً من الدخول في سباق تسلح أو تشكيل تكتلات متنافسة.
وبالنظر إلى حالة الشرق الأوسط، قد تبدو هذه الأفكار ساذجة، لكن من رماد بعض أحلك الفصول في تاريخ البشرية، ظهرت مسارات طموحة نحو الأمن والاستقرار.
فقد وُلد الاتحاد الأوروبي من دمار الحرب العالمية الثانية، وحوّل تنافساً فرنسياً-ألمانياً امتد لقرون إلى أساس لمشروع أوروبي مشترك. كما ظهرت عملية هلسنكي في ذروة الحرب الباردة، عندما كانت أوروبا منقسمة بين خصوم يمتلكون أسلحة نووية، ومع ذلك أسهمت في إنشاء قواعد ومؤسسات لإدارة ذلك التنافس.
ويمكن أن تكون الحرب مع إيران صراعاً مدمراً آخر في الشرق الأوسط لا يترك وراءه سوى المعاناة والدمار، أو يمكن تحويلها إلى نقطة تحول تضع المنطقة على مسار أكثر سلاماً واستقراراً.
ولن يحدث أي من ذلك مصادفة، بل لن يتحقق إلا إذا أدرك قادة المنطقة أن دولهم نفسها هي مفتاح المستقبل، بدلاً من التعويل على مكالمات هاتفية مع "منقذ أميركي" وهمي.
* "ميدل إيست آي"Middle East Eye
أضف تعليقاً