بدأ الذكاء الاصطناعي بإحداث تحول واسع في سوق العمل الرقمي في كينيا، بعدما أطاح بجزء كبير من الوظائف التي كانت توفر دخلاً لآلاف الشباب المتعلمين، وفي مقدمتها كتابة الأبحاث والمقالات الأكاديمية وتفريغ التسجيلات ومراجعة المحتوى.
وتسلط صحيفة "نيويورك تايمز"، وفق تقرير نقلته "الجزيرة"، الضوء على تجربة الكيني تيريسيوس بوندي، الذي بدأ عام 2011 العمل عبر الإنترنت في كتابة المقالات والواجبات الجامعية لطلاب في جامعات غربية. وكانت أولى مهامه مقالاً من صفحتين عن الفوائد الصحية لفاكهة "غارسينيا كامبوجيا"، حصل مقابل إنجازه على 7 دولارات.
وخلال 12 عاماً، كتب بوندي أكثر من 2500 مقال، وكان ينجز أحياناً ثلاثة مقالات يومياً، قبل أن يحول العمل الحر إلى نشاط تجاري بعد تخرجه من الجامعة عام 2015. وكان يتقاضى بين 40 و70 دولاراً عن المقال الواحد، كما وظف طلاباً للعمل معه في منزل استأجره قرب إحدى الجامعات.
وقال بوندي في حديثه إلى "نيويورك تايمز": "كان ذلك شريان حياة بالنسبة لي، كنت بحاجة إلى المال"، مشيراً إلى أنه كان يكسب من هذا النشاط أضعاف ما كان يمكن أن يحصل عليه في مجال الصحة العامة.
لكن ظهور "شات جي بي تي" عام 2022 شكّل نقطة تحول في هذا القطاع، إذ بدأ الطلاب يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج الأبحاث والمقالات بدلاً من الاستعانة بالعاملين المستقلين. ومع تراجع الطلب وانخفاض الأجور، اضطر بوندي إلى إغلاق نشاطه والبحث عن مسار مهني آخر.
ولم تقتصر تداعيات الذكاء الاصطناعي على كتابة المقالات، إذ بدأت وظائف تفريغ التسجيلات ومراجعة المحتوى الرقمي ووسم البيانات بالتراجع أيضاً. وتقول الكينية فريدا موانغي، التي عملت في تفريغ التسجيلات، إن أصحاب العمل طلبوا منها استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، لكنها وجدت أن تصحيح أخطائها، ولا سيما في المصطلحات الطبية، يستغرق وقتاً أطول من العمل اليدوي. وتضيف: "اختفت وظيفتي تماماً".
ويرى مارك غراهام، الأستاذ في جامعة أكسفورد والمتخصص في اقتصاد العمل الحر العالمي، أن التأثير لن يقتصر على كينيا، قائلاً إن الذكاء الاصطناعي "اقتحم هذه الأسواق، واقتطع أجزاء ضخمة من أسواق العمل هذه".
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في كينيا، حيث يتخرج أكثر من 100 ألف طالب جامعي سنوياً، بينما تظل الوظائف ذات الرواتب الثابتة محدودة، ويشكل العمل غير الرسمي نحو 80% من فرص العمل، وفق البيانات التي أوردها تقرير "الجزيرة".
وكانت الحكومة الكينية قد راهنت منذ سنوات على الاقتصاد الرقمي والتعهيد الخارجي باعتبارهما وسيلة لتوفير فرص عمل للشباب، فأطلقت عام 2016 برنامجاً لتدريب الخريجين على منصات العمل الحر، ثم اعتمدت عام 2022 استراتيجية وطنية للتحول الرقمي تمتد لعشر سنوات.
وفي ظل تراجع بعض الوظائف، ظهرت أدوار جديدة، من بينها ما يعرف بـ"مُضفي اللمسة البشرية"، وهم أشخاص يتولون مراجعة النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي وإعادة صياغتها. إلا أن هذه الوظائف لا تعيد بالضرورة مستوى الدخل الذي كان يوفره العمل التقليدي.
ويخلص تقرير "الجزيرة" إلى أن تجربة كينيا تقدم نموذجاً مبكراً للتغير الذي قد يشهده سوق العمل العالمي، إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل وظائف كانت تمثل منفذاً اقتصادياً لشرائح واسعة من الشباب المتعلمين.
مرصد الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي يهدد سوق "كتّاب الأبحاث" في كينيا
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً