بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر2026 التقينا رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، عشية توجهه إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، الى جانب لقاء مع مستشارية رئاسة الجمهورية، وهيأة المستشارين ونخبة من الباحثين.
خلصنا إلى أن الفجوة الأبرز في خطاب رئيس الوزراء الذي جاء دقيقاً وصريحاً إلى حد لافت في المسافة الفاصلة بينه وبين الأدوات المؤسسية الفعلية القادرة على ترجمته إلى نتائج قابلة للقياس. وسجلنا مجموعة قرارات خرج بها اللقاء، إلى جانب رؤية أوسع عرضناها قبل اللقاء الرسمي تتعلق بالتخطيط والتنظيم المؤسسي.
انعقد اللقاء في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فقد سبقه بساعة اجتماع طارئ خصصه رئيس الوزراء لمتابعة التصعيد المتسارع في المنطقة وتداعياته المباشرة على العراق، وتحديداً أزمة مضيق هرمز التي تمثل، منذ اندلاعها أواخر شباط/فبراير 2026 عقب المواجهة العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، أحد أكثر ملفات أمن الطاقة إلحاحاً على المستويين العراقي والإقليمي. وتشير معطيات ميدانية حديثة، منتصف أيلول الجاري، إلى أن حركة الملاحة عبر المضيق تراجعت بصورة حادة، إذ لم تعبره في أحد الأيام سوى أربع سفن تجارية مقارنة بمعدل اعتيادي يقارب 125 عبوراً يومياً قبل اندلاع الحرب.
وفور انتهاء اللقاء، غادر رئيس الوزراء متوجهاً إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة - وهي محطة تأتي في امتداد مباشر لجولة دبلوماسية مكثفة خاضها الزيدي خلال الأشهر الأخيرة، شملت طهران وواشنطن وباريس وبرلين، وطغت عليها في كل مرة تقريباً تداعيات الملف الأمني الإقليمي على حساب الأجندة الاقتصادية المعلنة، كما جرى في زيارته الأخيرة إلى العاصمة الألمانية حين أكد المستشار الألماني أن محور المباحثات كان الوضع الصعب في المنطقة ودور إيران في التصعيد الحاصل.
هذا التزامن بين لقاء داخلي مع المجتمع البحثي ومحطة دولية رفيعة المستوى يضع خطاب رئيس الوزراء أمام اختبار مزدوج يتعلق بتماسك الرواية الداخلية حول إدارة الأزمة الاقتصادية، ومدى انعكاسها على الموقف التفاوضي والدبلوماسي الذي سيحمله إلى نيويورك بشأن ملفي هرمز والاستقرار الإقليمي.
حكومة تدير حريقاً لم تُشعله
خصص رئيس الوزراء جزءاً من حديثه لتوصيف طبيعة الأزمات التي ورثتها حكومته عن الحكومات السابقة، في مسعى لتأطير التحديات الراهنة ضمن سياق تراكمي طويل الأمد وليس كنتاج مباشر لسياساته. هذا الخطاب، وإن كان مألوفاً في أدبيات الحكم الانتقالي، يحمل دلالة إضافية حين سمعناه بشكل مباشر منه فهو محاولة لتثبيت إطار تفسيري مسبق لأي تقييم لاحق لأداء الحكومة، بقدر ما هو توصيف واقعي لحجم الاختلالات المتراكمة عبر عقدين من الزمن.
الموازنة وإدارة الموارد
شكل محور الموازنة وإدارة الموارد العامة الجزء الأكثر دلالة في الطرح. وصف رئيس الوزراء نمط إدارة الموازنات العراقية المتعاقبة، بما فيها أداء وزارة المالية، بأنه أقرب إلى سلوك سائق أجرة (تكسي) منه إلى إدارة مؤسسية مخططة - أي جهة تستقبل الإيرادات وتعيد توزيعها بمنطق تشغيلي يومي، دون رؤية استثمارية أو تخطيط متوسط وطويل الأمد. هذا التوصيف، الصادر عن رئيس السلطة التنفيذية نفسه، يمثل اعترافاً ضمنياً لافتاً بعمق الخلل البنيوي في الجهاز المالي للدولة، ويتجاوز الخطاب المعتاد الذي يميل إلى تحميل المسؤولية لعوامل خارجية أو ظرفية فقط.
أرقام حرجة
جاء الجزء الأكثر تحديداً في اللقاء متمثلاً بالأرقام من خلال موارد تقابلها كتلة وظيفية وتقاعدية ضخمة تصل إلى نحو 8 ملايين موظف ومتقاعد، مع عجز كبير في الموازنة العامة. هذه النسبة بين حجم الموارد وحجم الكتلة البشرية المعتمدة على الإنفاق الحكومي تختصر جوهر الأزمة المالية الهيكلية في العراق في اقتصاد ريعي أحادي المصدر، يقابله جهاز دولة متضخم وظيفياً بما يفوق قدرة الموارد المتاحة على استيعابه بشكل مستدام.
الحل الذي طرحه رئيس الوزراء لهذا الاختلال تمثل في التحول التدريجي من القطاع العام إلى القطاع الخاص كمشغّل رئيسي للقوى العاملة، مع إقراره الصريح بأن هذا المسار "صعب ويحتاج عمل"، بمعنى اعتراف بحجم المقاومة البنيوية والسياسية والاجتماعية المتوقعة لأي إصلاح من هذا النوع، أكثر منه إعلاناً عن خارطة طريق تنفيذية محددة زمنياً.
100مليار دولار وثلاثة أذرع
أعاد رئيس الوزراء طرح مشروع صندوق التنمية، بمساهمة من المصارف ورأسمال يبلغ 100 مليار دولار، وهو مشروع سبق أن أُعلن عنه علناً في مناسبات سابقة، بمساهمة من البنك المركزي والاكتتاب العام إضافة إلى مؤسسات تمويل دولية وإقليمية، في إطار توجه لبناء منصة استثمارية تستهدف تمويل مشاريع البنى التحتية وخلق فرص عمل وتنويع مصادر النمو بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الريع النفطي.
الجديد في طرح هذا اللقاء هو التفصيل الداخلي للصندوق، إذ قسمه وبحسب حديثه المباشر من خلال النقاش معه إلى ثلاثة أذرع قطاعية منها تعليمي وصحي وزراعي وهو تفصيل يمنح المشروع طابعاً تنموياً اجتماعياً أوسع من كونه أداة استثمارية بحتة، وإن كان لا يزال يفتقر، إلى تفاصيل الحوكمة والآليات التنفيذية الدقيقة.
سردية الحصار غير المعلن
من أكثر المحاور دلالة سياسية ما طرحه الزيدي حول وجود ما وصفه بحصار يشبه من حيث الأثر الحصار الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي، مع فارق جوهري بحسب توصيفه، بأن الحصار السابق كان معلناً ومؤسسياً، بينما الحصار الحالي غير معلن.
هذا التوصيف يحمل بعداً تفسيرياً مزدوجاً، فهو من جهة يشير إلى قيود فعلية تُمارس على الاقتصاد العراقي عبر قنوات غير رسمية (عقوبات مصرفية، وقيود على تحويل العملة، وضغوط جيوسياسية مرتبطة بالتوازن الأمريكي-الإيراني داخل العراق)، ومن جهة أخرى يخدم وظيفياً في تفسير محدودية الأداء الحكومي بعامل خارجي يصعب قياسه أو دحضه بدقة، بخلاف الحصار المعلن سابقاً الذي كان قابلاً للتوثيق والتقييم بمعايير محددة.
قراءة للمستقبل العراقي
في مفارقة لافتة، ذهب رئيس الوزراء إلى وصف "ماضي العراق بأنه أفضل من مستقبله"، وهي عبارة يمكن، من زاوية تحليلية، وصفها بأنها رؤية تشاؤمية صادرة عن رأس السلطة التنفيذية نفسه.
وأضاف أن "بلداننا"، في إشارة أوسع إلى دول المنطقة وربما حتى الجنوب العالمي، أصبحت عبئاً على العالم، وأن الدول المتقدمة هي المستفيد الأكبر من هذه البلدان لا العكس. هذا الطرح يستدعي قراءة نقدية متأنية، من جهة يعكس إحباطاً حقيقياً من محدودية هامش المناورة المتاح لحكومة تدير اقتصاداً ريعياً في بيئة إقليمية شديدة التقلب، لكنه من جهة أخرى يحمل مخاطر خطابية حين يصدر عن مسؤول تنفيذي في موقع القرار إذ قد يُقرأ كإشارة لتراجع الثقة بإمكانية الإصلاح من الداخل، وهو ما يتناقض ظاهرياً مع الطرح المتفائل نسبياً لمشاريع كصندوق التنمية.
عجز عن الإنتاج والتصنيع
استكمالاً للنقاشات التي جرت وللقراءة النقدية الذاتية، أقر رئيس الوزراء بعجز الحكومات المتعاقبة، بما فيها حكومته ضمنياً، عن إنجاز أي تحول صناعي أو تطوير إنتاجي حقيقي خارج القطاع الريعي. هذا الإقرار ينسجم مع محور "سائق التكسي" السابق، ويؤكد أن جوهر الأزمة الاقتصادية العراقية ليس نقصاً في الموارد بقدر ما هو غياب لبنية تخطيط إنتاجي مؤسسية قادرة على تحويل الريع النفطي إلى قاعدة صناعية وزراعية مستدامة.
قرارات ومخرجات مؤسسية
تمخض اللقاء عن مجموعة قرارات ملموسة تتعلق بدعم البنية البحثية في العراق:
أولا: إنشاء صندوق لتمويل مراكز الدراسات والبحوث، على أن يخضع هذا التمويل لرقابة صندوق الرقابة المالية، بما يضمن حداً من الشفافية والمساءلة في توزيع الموارد.
ثانيا: تصنيف مراكز الدراسات، وخصوصاً الجامعية منها، ضمن فئات A-B-Cفي خطوة تهدف إلى تمييز جودة الأداء البحثي وربط التمويل والدعم المؤسسي بمعايير تصنيفية واضحة.
ثالثا: تخصيص مساحات داخل الجامعات لمراكز الدراسات والبحوث، مع تحفيز التعاون بينها وبين باقي المراكز البحثية في العراق.
طُرحت في هامش اللقاء رؤية أوسع، ومن خلال مقترحات قُدّمت بشكل رسمي، بوصفها مساهمة مستقلة تقوم على إيجاد حلقة وصل بين الإنتاج البحثي والبرنامج الحكومي، بحيث تُقدم مخرجات مراكز الدراسات والبحوث إلى الوزارات والمؤسسات ذات الصلة، إلى جانب تعزيز التواصل المؤسسي المنتظم بين الجهات الحكومية ومراكز الدراسات، بما يتجاوز التعاون العرضي أو الشكلي.
مقترحات دعم البنية التحتية
وقدم ملتقى النبأ للحوار وبشكل رسمي رؤية تكميلية تشمل تخصيص تمويل مستقل لمراكز الأبحاث من موارد الدولة، وإعفاء مراكز الدراسات والمنظمات البحثية من الضرائب المقررة سابقاً، بما يشكل حافزاً لتطوير القطاع البحثي غير الحكومي، مع التأكيد على استقلالية وحيادية هذه المراكز في طرح رؤاها بعيداً عن الاستقطابات السياسية.
كما تتضمن المقترحات دعم البنية التحتية لمراكز الدراسات من خلال تخصيص مقرات دائمة وقاعات مناسبة للمؤتمرات والندوات، واستكمال إجراءات تخصيص امكان مناسبة للمقرات، إلى جانب توفير قروض طويلة الأمد دون فوائد وفق الأطر القانونية، ومنح أو دعم سنوي للمشاريع والبرامج الحوارية، ولا سيما في مجالات الحوار المجتمعي وتمكين الشباب والدراسات والبحوث.
وتشمل الرؤية أيضاً توفير الدعم اللوجستي والتقني للفعاليات الكبرى، وتسهيل الإجراءات الرسمية والأمنية واللوجستية المتعلقة باستضافة الشخصيات والوفود العراقية والدولية، وتعزيز التعاون والشراكة مع مؤسسات الدولة في تنفيذ البرامج والمبادرات المرتبطة بالحوار المجتمعي والدراسات والبحوث، وفق الاختصاصات والقوانين النافذة.
في ختام حديثه، أكد رئيس الوزراء على أهمية الدور الذي تضطلع به مراكز الفكر والبحوث والدراسات، مشدداً على دعم الحكومة لها، وتعزيز قنوات التواصل والتعاون بينها وبين مؤسسات الدولة، وكذلك تعزيز حضورها وتوسيع إسهامها في معالجة القضايا والتحديات التي تواجه الدولة والمجتمع.
وأكد أن العراق يعمل على تهدئة الأوضاع في المنطقة، والإسهام في معالجة أزماتها، انطلاقاً من دوره ومسؤوليته في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين. وأشار إلى أن العراق ينتهج سياسة خارجية منفتحة، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ويسعى إلى بناء شراكات اقتصادية وتنموية بعيدة المدى مع دول العالم وكبريات الشركات والمؤسسات الدولية.
وأوضح أن العراق يواجه في المرحلة الراهنة تحديات اقتصادية استثنائية، في ظل تداعيات الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، مبيّناً أن الحكومة تواصل العمل على دعم القطاع الخاص وتطويره، بوصفه ركيزة أساسية لتحقيق التنمية وتنويع الاقتصاد، إلى جانب التوجه نحو إنشاء صندوق للتنمية، ومواصلة تنفيذ مشروع المليون قطعة أرض سكنية والمدن الجديدة.
وجدد التأكيد على أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه مراكز الفكر والبحوث في تقديم الحلول والمعالجات لمختلف القضايا التي تكتنف المشهد العراقي، مشيراً إلى إمكانية إسهام مراكز الدراسات والبحوث في تحقيق نهضة تنموية، داعياً إلى الانفتاح على التجارب العالمية الناجحة والاستفادة منها، وتكييفها بما ينسجم مع خصوصية الواقع العراقي واحتياجاته.
تحلي ختامي
يكشف مضمون اللقاء عن توتر بنيوي بين خطابين متوازيين لدى الحكومة العراقية الحالية:
الأول: خطاب إصلاحي طموح يتجسد في مشاريع كصندوق التنمية بأذرعه الثلاثة.
الثاني: الانفتاح المؤسسي على مراكز الدراسات والبحوث، وخطاب تشخيصي قاتم يقر بعمق الاختلالات البنيوية إدارة "سائق التكسي"، الكتلة الوظيفية المتضخمة، العجز عن التصنيع، سردية الحصار غير المعلن، بل ويذهب إلى حد التشاؤم الصريح من مستقبل البلاد.
من منظور مقارن، يتقاطع هذا الطرح مع نمط شهدته دول أخرى تحاول الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج تحت ضغط جيوسياسي حاد، حيث يصعب الفصل بين الإصلاح الاقتصادي الداخلي والمتغيرات الأمنية الإقليمية، كما يتضح جلياً من تزامن حديث الموازنة والصندوق التنموي مع ملف مضيق هرمز في الاجتماع الطارئ الذي سبق اللقاء، ومن توجه رئيس الوزراء مباشرة بعده إلى منصة أممية سيكون ملف الاستقرار الإقليمي حاضراً فيها بقوة إلى جانب أي طرح اقتصادي.
أما القرار المتعلق بدعم مراكز الدراسات والبحوث، فيمثل من الناحية المؤسسية خطوة إيجابية نحو سد فجوة تاريخية بين صناعة القرار الحكومي والإنتاج البحثي المستقل في العراق، وهي فجوة طرحت من خلال مقترحات مباشرة لسدها خلال هذا اللقاء.
غير أن نجاح هذا
التوجه سيتوقف، كما هو الحال مع صندوق التنمية نفسه، على مدى ترجمته إلى آليات
تنفيذية وتشريعية واضحة، بعيداً عن طابع الإعلانات المبدئية غير المُلزمة الذي طبع
مبادرات مماثلة في السنوات السابقة - وهو التحدي الأعمق الذي يواجه أغلب ما طُرح
في هذا اللقاء يشير الى المسافة بين حجم التشخيص الدقيق للأزمة، وحجم الأدوات
المؤسسية الفعلية المتاحة لمعالجتها.
علي الطالقاني رئيس مجلس إدارة ملتقى النبأ للحوار ورئيس تحرير وكالة النبأ الخبرية*
أضف تعليقاً