يُعدّ التعلق بالأم من السلوكيات الطبيعية في مراحل الطفولة المبكرة، إذ تمثل الأم مصدر الأمان والطمأنينة بالنسبة إلى الطفل، إلا أن استمرار هذا التعلق بصورة مفرطة قد يؤثر في قدرته على الاستقلال والاندماج الاجتماعي، ما يستدعي فهم أسبابه والتعامل معه بأساليب تربوية مناسبة.
ويشير علم النفس التنموي إلى أن التعلق الآمن يسهم في بناء الثقة بالنفس وتعزيز الكفاءة الاجتماعية لدى الطفل، فيما قد يرتبط التعلق المفرط بعوامل نفسية وبيئية متعددة، من بينها الشعور بعدم الأمان، والتغيرات المفاجئة في البيئة المحيطة، وبدء الحضانة أو المدرسة، أو قدوم طفل جديد إلى الأسرة.
كما قد تسهم طبيعة الطفل الحساسة أو القلق الذي يشعر به الوالدان تجاه الانفصال في زيادة حاجته إلى الطمأنينة والاحتواء، إذ يمكن أن ينعكس التوتر الأسري على سلوكه ويزيد من تشبثه بالأم.
ويكون قلق الانفصال شائعًا خلال الأشهر الأولى من النصف الثاني للسنة الأولى من العمر، وقد يستمر بدرجات متفاوتة خلال مرحلة الطفولة المبكرة. لكن التعلق يصبح مدعاة للانتباه عندما يستمر بشدة، أو يتجاوز ما يتناسب مع عمر الطفل، أو يعيق مشاركته في الأنشطة اليومية وتفاعله مع الآخرين، ولا سيما إذا صاحبه خوف شديد ومستمر من الابتعاد عن الأم.
وفي هذا السياق، ينصح المختصون بالتعامل مع الطفل بهدوء وتجنب إجباره على الانفصال المفاجئ، مع تهيئته تدريجيًا للابتعاد لفترات قصيرة، وإخباره بوضوح عند مغادرة المكان، والالتزام بالعودة في الوقت المتوقع لتعزيز شعوره بالثقة والأمان.
كما يُستحسن تشجيع الطفل على اللعب بصورة مستقلة ضمن بيئة آمنة، وتعزيز علاقاته بالأشخاص الموثوقين، والاستجابة لمشاعره دون توبيخ أو وصفه بالمدلل، مع مراعاة احتياجات الأم النفسية والجسدية وتوفير الدعم اللازم لها.
ويؤكد الاهتمام بهذه الحالة أهمية التمييز بين التعلق الطبيعي الذي يمثل جزءًا من النمو العاطفي، والتعلق الذي يتسبب في معاناة الطفل أو يعطل حياته اليومية. وعند استمرار القلق بصورة شديدة أو تأثيره في قدرة الطفل على ممارسة أنشطته المعتادة، يُنصح باستشارة طبيب الأطفال أو اختصاصي نفسي للأطفال لتقييم الحالة وتحديد الأسلوب المناسب للتعامل معها.
ويهدف التعامل التربوي السليم إلى تعزيز شعور الطفل بالأمان وبناء قدرته على الاستقلال تدريجيًا، دون حرمانه من الاحتواء العاطفي الذي يحتاج إليه في مراحل نموه المختلفة.
أضف تعليقاً