بشير البكر*
كان الفساد، عند فئة من السياسيين حتى وقت قريب، عاراً، وصار عادة عامة في أيامنا هذه. في زمن ليس ببعيد، كان الناس ينبذون السياسي الفاسد، ويتبارى بعض السياسيين في نظافة اليد، لكننا صرنا نعيش في زمن انقلبت فيه المعايير، فلم يعد الفساد يُنظر إليه انحرافاً عن وظيفة السياسي والدولة، بل تحوّل، في أحيانٍ كثيرة، إلى جزء من ممارسة السلطة نفسها. وهكذا لم يعد الوصول إلى موقع المسؤولية مرتبطاً بخدمة الناس بقدر ما صار عند بعض الوصوليين فرصة للإثراء السريع ومحاولة للنهب من المال العام، وتمكين أبناء العائلة والأقارب والأصدقاء. لم تعد الدولة، في هذه الحالة، ساحة يفترض أن تحكمها النزاهة والقانون، بل أصبحت مجالاً مستباحاً لمن لا يهمهم سوى الكسب غير المشروع، وعدم احترام الشرائع والقوانين، من دون خوفٍ من محاسبة أهل البلاد ورب العباد.
حتى وقت قريب، كان سياسيون كثيرون يتورعون عن التصرّف بمقدرات البلاد، وعرفنا رؤساء دول رحلوا من دون أن تكون لأي منهم حسابات مصرفية في دول عربية وغربية، أو ثروات جمعوها خلال وجودهم في السلطة. أما اليوم فيندر أن يغادر الوظيفة العامة مسؤولٌ من دون أن تحوم حوله شبهات فساد أو استغلال للمال العام، أو من دون أن يكون قد فتح المجال أمام الأهل والأقارب والأصدقاء لبناء ثرواتٍ عبر تسهيلاتٍ خاصة تقدّمها الدولة، أو وظائف ومواقع رسمية. ولعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقدّم مثالاً ساطعاً، بحيث تبدو المصلحة الشخصية حاضرة بقوة في ممارسته السياسة، سيما حين يتعلق الأمر بما يدخل إلى جيبه، لا بما يحسّن اقتصاد البلد، ويخفف من مشكلاته في البطالة والخدمات.
دخل العالم في مرحلة خطيرة من الاضطراب، بات فيها القانون بيد من يتولى السلطة ومظلة لحماية الفساد، وصار بعض الحكام يتعاملون مع الدولة بوصفها ملكية شخصية، يوزّعون مواردها على أبناء عائلتهم وأصدقائهم، تاركين الشعب في فقر مدقع. لقد باتت الأغلبية في أكثر من بلد عربي تعيش حالة من الانقسام العمودي بين أغنياء يزدادون ثراء، وفقراء يزدادون فقراً وجوعاً، ولا يحظون بالحد الأدنى من خدمات الصحة والتعليم والنقل. ورغم أن أحد أسباب ثورات الربيع العربي اقتصادي، نتيجة التدهور المعيشي والتراجع السريع في مستوى الخدمات، فإن بعض الحكّام لا يريدون الاستفادة من دروس الأمس القريب، المستقاة من ثوراتٍ هدمت صروح سلطاتٍ عاتيةٍ مثلما حصل في تونس ومصر وسورية واليمن.
واهم كل من يظن أن الناس تعبت من شدة القمع والقتل والتهجير والجوع، وأنها لم تعد تمتلك الطاقة الكافية كي تثور من جديد. فما يحصل ليس سوى هدنة واستراحة محارب، سيعود بعدها الشارع إلى التحرّك من جديد. لم تتمكّن أجهزة الأنظمة قبل الربيع العربي، بكل ما كانت تمتلكه من أدوات بطش، من حماية الفساد والفاسدين، وقد أسقطت الشعوب قوى التوريث والنهب. وهي ليست غافلة عما حدث بعد ذلك، ولا تنخدع بالخطابات التخديرية، وترى أن التضحيات التي قدمتها يجري تجييرها لحساب حفنة فاسدين، يريدون تكرار تجارب أنظمة باتت في مزابل التاريخ.
لا تزال هناك فرصة لمراجعة النفس، واستخدام العقل من أجل التراجع عن الطريق الذي يحلل فيه بعضهم لأنفسهم التصرّف بالدولة، بوصفها ملكية خاصة، ويديرون الظهر لكل المناشدات والنصائح التي تطالب بالإصلاح وحسن تخطيط إدارة الموارد وترشيدها، وتحريم التصرف بالمال العام. ولم يفت الأوان على وضع العربة على الطريق السليم، والتوظيف الصحيح للطاقات البشرية والمادية، وما عدا ذلك فسوف يؤدي إلى انفجارات اجتماعية بسبب الجوع وانعدام الخدمات وسوء إدارة مؤسسات الدولة.
*العربي الجدسد
أضف تعليقاً