تعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي الوكيلة والمختبرات الرطبة الآلية على الربط بين النماذج الحاسوبية والتحقق التجريبي، لكن التعقيد البيولوجي يُبقي الحكم البشري ضرورياً.
بينما يستكشف الباحثون كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح آفاقاً جديدة في العلوم البيولوجية، يضيف الذكاء الاصطناعي الفاعل بُعداً آخر لهذا التقارب. إذ تستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي الفاعل تنفيذ المهام بشكل مستقل، واتخاذ القرارات بتدخل بشري محدود، والتكيف من خلال تعديل سير عملها.
وبحسب تقرير نشرته مؤسسة أوبزرفر وترجمته وكالة النبأ انه في مجال البحوث الطبية الحيوية، طُوّرت أنظمة ذكاء اصطناعي متعددة العوامل لتطبيقات متنوعة، وتتمتع هذه الأنظمة بالقدرة على استخدام أدوات خارجية، مثل المتصفحات أو البرامج، لتنفيذ مهام محددة. ومن الأدوات التعاونية للباحثين نظام العالم المساعد من جوجل، وهو نظام ذكاء اصطناعي متعدد العوامل قائم على منصة جيميني، يساعد الباحثين في عملية التفكير أثناء الاكتشاف العلمي.
يستطيع الباحث المشارك توليد أفكار أو فرضيات بناءً على الأدبيات والبيانات العلمية، وتحديد الأفكار المتشابهة وتصنيفها، وإجراء مراجعة الأقران، وترتيب الفرضيات حسب الأولوية، والعمل باستمرار على تحسين أفكار البحث وتطويرها. ومن خلال العمل كمتعاون في البحث، يستطيع الباحث المشارك التدخل في مختلف مراحل منهجية البحث العلمي.
سد الفجوة بين التجارب الحاسوبية والمخبرية
من المرجح أن تتقلص الفجوة المادية بين البحث الحاسوبي والتجارب المختبرية الرطبة مع دمج المختبرات الآلية والحوسبة السحابية والمختبرات المستقلة في النظام البيئي للذكاء الاصطناعي والبيولوجيا.
أفادت وكالة رويترز أن شركة أنثروبيك أنشأت الشهر الماضي مختبرها الرطب في منطقة خليج سان فرانسيسكو لإجراء تجارب في علم الأحياء الفيزيائي. وتخطط الشركة للتوسع نحو إنشاء مختبر آلي، حيث سيقوم الروبوت كلود بتوجيه الروبوتات لتنفيذ التجارب. ومن المرجح أن يتضمن هذا النظام تنفيذ تجارب محددة مسبقاً، مصممة من قبل البشر، وفقاً لسير عمل محدد.
أنظمة المختبرات المستقلة والتعقيد البيولوجي
بالإضافة إلى ذلك، يمكن الوصول إلى هذا النوع من البنية التحتية عن بُعد من خلال المختبرات السحابية، مما يتيح للباحثين إجراء التجارب دون التواجد فعلياً في المختبر.
جدير بالذكر أن شركتي أوبن إيه وجينكو بايووركس نشرتا نتائج بحثية في ورقة بحثية أولية من مختبر ذاتي القيادة، حيث تم ربط نموذج GPT-5 بمختبر سحابي لتحسين طريقة بيولوجية، وهي تخليق البروتين الخالي من الخلايا.
لم يقتصر هذا النوع من المختبرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام تجريبية محددة مسبقاً فحسب، بل شمل أيضاً القدرة على اتخاذ القرارات. مع ذلك، قد تقتصر هذه القدرة على العمليات الأبسط.
أظهرت دراسة أخرى أن نظاماً مختبرياً ذاتياً قادر على تحديد ظروف النمو المثلى لسلالة معينة من بكتيريا الإشريكية القولونية، لكنه لم يتمكن من تحديد الظروف المناسبة لإنتاج حمض الجلوتاميك، وهي مهمة أكثر تعقيداً نسبياً. وحمض الجلوتاميك هو حمض أميني يُنتج ويُنظّم عبر مسارات أيضية متعددة.
لماذا لا يزال الاكتشاف العلمي بحاجة إلى الحكم البشري؟
على الرغم من دور الذكاء الاصطناعي المتزايد في البحوث البيولوجية، فإنه لا يُغني عن الحاجة إلى الخبرة العلمية البشرية وحُكمها. فالادعاءات التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي تتطلب التحقق، إذ قد تُخطئ النماذج في تفسير الأدبيات أو البيانات، أو تُسيء فهمها، أو تُنتج نتائج غير دقيقة علمياً.
لتقييم ما إذا كانت النتائج التي يولدها الذكاء الاصطناعي ذات دلالة بيولوجية وذات صلة، يحتاج الباحثون إلى مهارات التفكير النقدي إلى جانب الخبرة العملية اللازمة لحل مشكلات التجارب. وهذا لا يعتمد فقط على الخبرة العملية في المختبر، بل أيضاً على فهم البيولوجيا الأساسية، والبيانات، والبنية التحتية للمختبر، والكواشف، والمواد.
علاوة على ذلك، يعتمد البحث العلمي أيضاً على قابلية الطعن، أي القدرة على الطعن في نتائج الأبحاث وإعادة إنتاجها وإعادة فحصها. وفي هذا السياق، تُعدّ الشفافية بشأن مساهمة الذكاء الاصطناعي في عملية البحث أمراً بالغ الأهمية، بما في ذلك الإفصاح عن وقت وكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي.
جودة البيانات والإطار المفاهيمي
علاوة على ذلك، تعتمد فعالية الذكاء الاصطناعي على جودة البيانات التي تم تدريبه عليها. لذا، يجب أن تكون قواعد البيانات البيولوجية مُنسقة بعناية، وموحدة، وذات صلة بيولوجية، وقابلة للتكرار لدعم التنبؤات الموثوقة.
على سبيل المثال، يستخدم برنامج ألفافولد بنك بيانات البروتين، وهو مستودع للهياكل ثلاثية الأبعاد للجزيئات الكبيرة التي تم تحديدها تجريبياً، والتي تراكمت على مدى 50 عاماً.
علاوة على ذلك، تنبثق الاستدلالات العلمية من مصادر أخرى أيضاً، بما في ذلك الملاحظات من التجارب الفاشلة، والنتائج غير المنشورة، والحدس الناتج عن الخبرة المختبرية المتراكمة، وتبادل الأفكار بين الأقران أو الموجهين.
قد تحدث الإنجازات بشكل عفوي، أو من خلال ربط أفكار من مجالات تبدو غير مترابطة، أو من خلال إعادة صياغتها بطرق مميزة. وفي الوقت الراهن، ليس من الواضح ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بهذا النوع من إعادة الصياغة المفاهيمية.
بناء منظومة الذكاء الاصطناعي والبيولوجيا الحيوية في الهند
في الهند، تتبلور الجهود الرامية إلى تعزيز التقارب بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء في مجالات البحث، والبنية التحتية للبيانات، والابتكار التطبيقي. وقد أُطلق مشروع جينوم إنديا لبناء قاعدة بيانات شاملة للتنوع الجيني للسكان الهنود، ودعم البحوث الطبية الحيوية ذات الصلة بتنوع سكان الهند.
يُكمّل هذا المسعى المركز الهندي للبيانات البيولوجية، وهو أول مستودع وطني لبيانات علوم الحياة في البلاد. ويخزن المركز بيانات علوم الحياة والبنية التحتية للمعلوماتية الحيوية ضمن شبكة نظام معلومات التكنولوجيا الحيوية. وتدعم سياسة BioE3 إنشاء مراكز للذكاء الاصطناعي في مجال التكنولوجيا الحيوية، مما يُسهم في دمج منظومة البحث الحاسوبي في الهند مع التكنولوجيا الحيوية.
علاوة على ذلك، تم إنشاء مورد وطني للتصوير الطبي المدعوم بالذكاء الاصطناعي لعلاج الأورام بدقة، مما يتيح اتباع أساليب شخصية في تشخيص السرطان وعلاجه. ويُعد إطار أنوساندان الوطني للبحوث نقطة محورية أخرى لتعزيز التطوير التطبيقي والتسويق التجاري للتقنيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مجال الرعاية الصحية.
الذكاء الاصطناعي ومستقبل البحث العلمي
أصبح الذكاء الاصطناعي ببطء جزءاً من عملية البحث العلمي في البحوث البيولوجية، ومن المرجح أن يلعب دوراً تعاونياً أثناء العمل البحثي الروتيني من خلال الأتمتة وتحديد الروابط والأنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الكبيرة.
مع ذلك، ينطوي الاكتشاف العلمي أيضاً على طرح الأسئلة الصحيحة، وهذا يعتمد على ثقافة الإبداع، والبحث النقدي، والتوجيه، والتجريب الدقيق. لذا، سيحتاج الباحثون إلى إيجاد سبل لضمان أن يُعزز الذكاء الاصطناعي هذه العملية بطريقة شفافة وخاضعة للمساءلة، مكملاً بذلك الإبداع البشري.
س ع
أضف تعليقاً