تتزايد التداعيات العالمية لأزمة التغير المناخي لتتعدى الأبعاد البيئية وتلامس عمق الملفات الأمنية المعقدة، حيث يبرز تمدد الأنشطة الإرهابية والجريمة المنظمة كأحد أخطر التحديات الناجمة عن تداعي الظروف البيئية في مناطق النزاع والهشاشة.
يوضح التحليل الذي صدر عن مؤسسة السياسة والاقتصاد والبحوث الاجتماعية (SETA) في شهر أكتوبر من عام 2026، وأعده الباحثان تشاغلا فيورال وتونش ديميرتاش، وترجمته "وكالة النبأ" أن أزمة المناخ لا تُعد سبباً مباشراً لنشأة الإرهاب أو الجريمة المنظمة، غير أن الضغوط المناخية المتسارعة كالفيضانات، والأعاصير، وموجات الجفاف الطويلة، تعمل بمثابة مضاعف للتهديدات، حيث تُفاقم الهشاشة القائمة وتؤدي إلى تآكل سبل العيش، مما يسهل على الجماعات المسلحة استغلال هذه الظروف.
يخلص التحليل إلى أن المخاطر تبلغ ذروتها وتفتح نافذة الفرصة أمام الجماعات المسلحة عندما تتقاطع ثلاث فجوات رئيسية في توقيت واحد، وهي الصدمة المناخية المتمثلة في الجفاف أو الفيضانات أو الأعاصير، والفجوة الأمنية المتمثلة في ضعف سلطة الدولة أو القوات الأمنية الداعمة لها على الأرض، وفجوة المساعدات المتمثلة في قصور تدفقات الإغاثة الإنسانية والخدمات الأساسية للمتضررين. استعرض التقرير كيف تختلف طرق استغلال الفرص المناخية باختلاف الأهداف الاستراتيجية لكل تنظيم مسلح؛ فالحركات الساعية لتأسيس الحكم مثل حركة الشباب في الصومال تسعى للإطاحة بالحكومة وفرض رؤيتها المستندة إلى الشريعة، مستغلة فترات الجفاف لتقديم نفسها كبديل خدمي للدولة، والسيطرة على توزيع المساعدات، وفرض الضرائب وعائدات الزكاة، وتشهد أواخر عام 2026 تقاطعاً جديداً لهذه الفجوات الثلاث في الصومال وسط تحذيرات من مخاطر المجاعة.
أما عصابات الربح والسيطرة المحلية مثل عصابات المثلث الشمالي المتمثلة في السلفادور وغواتيمالا وهندوراس، فقد عمدت بعد أعاصير عام 2020 مثل إيتا وإيوتام إلى منع وصول المساعدات الإنسانية للمجتمعات المتضررة وفرض إتاوات مالية قسرية على السكان العائدين لمنازلهم لتعزيز قبضتهم الأمنية والمالية. وفي المقابل، فإن الجماعات الإرهابية في مرحلة التوسع مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل تستهدف الممرات التجارية الاستراتيجية ومناطق التعدين في غرب مالي، وهو ما امتدت آثاره الاقتصادية لتشمل دول الجوار مثل السنغال.
وعلى الرغم من تعرض السنغال لضغوط مناخية وتقلبات في أنماط الأمطار تهدد الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي، إلا أن الفجوات الأمنية والإغاثية لم تفتح فيها بعد بفضل استقرارها النسبي، مما يوفر للبلاد فرصة ثمينة للتحرك الاستباقي وتطبيق تدابير الوقاية والتعاون الحدودي قبل أن تنجح الجماعات المسلحة في استغلال هشاشتها.
يخلص التقرير إلى تقديم حزمة من التوصيات الاستراتيجية للجهات المعنية تتضمن تطوير أدوات الإنذار المبكر عبر دمج توقعات الأحوال الجوية المتطرفة مع بيانات أنشطة الجماعات المسلحة وحجم التواجد الأمني ومستويات تمويل المساعدات لاستشراف توقيت تقاطع الفجوات بدقة مسبقة، وضرورة اتخاذ القرارات الخاصة بالبعثات الأمنية والتمويل الإنساني ضمن أطر زمنية متسقة كما هو الحال في معالجة أزمات الصومال.
كما تشمل التوصيات تخصيص الاستجابات حسب أهداف التنظيمات من خلال تفعيل الخدمات السريعة للدولة بمواجهة التنظيمات المتطرفة وتأمين حماية العائدين والمساعدات ضد العصابات وحماية الممرات الحدودية والتجارية ضد الجماعات التوسعية، فضلاً عن تنفيذ مشاريع التكيف المناخي والتنمية في المناطق المعرضة للمخاطر مثل الحدود السنغالية الموريتانية مع مالي لتقليص قدرة الجماعات المسلحة على التجنيد واستغلال الأزمات.
أضف تعليقاً