تشهد المعادن والمواد الخام الحيوية تحوّلاً متسارعاً إلى أحد أبرز محاور المنافسة الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، مع تزايد الاعتماد عليها في صناعات السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة المتجددة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، في وقت تتركز فيه عمليات استخراجها ومعالجتها في عدد محدود من الدول، ما يزيد من هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن الليثيوم والنحاس والجرافيت والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة أصبحت تمثل الركائز الأساسية للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، إلا أن محدودية مصادرها وصعوبة إيجاد بدائل لها يرفعان من أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للدول الصناعية.
ويستحوذ الليثيوم على أهمية خاصة باعتباره المكون الرئيس في بطاريات السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، إذ يذهب نحو 87% من الإنتاج العالمي إلى صناعة البطاريات، بينما تهيمن أستراليا وتشيلي والصين على معظم عمليات الاستخراج، في حين تستأثر الصين وحدها بنحو 70% من عمليات التكرير العالمية، ما يمنحها نفوذاً كبيراً في هذه السوق.
أما النحاس، الذي يدخل في شبكات الكهرباء والبنية التحتية وقطاع النقل والصناعات المختلفة، فيواجه تحدياً يتمثل في بطء تطوير المناجم الجديدة، إذ يستغرق تشغيل منجم جديد نحو 18 عاماً في المتوسط، بينما تسيطر الصين على أكثر من 45% من عمليات معالجة النحاس عالمياً.
ويُعد الجرافيت أحد المكونات الأساسية في بطاريات السيارات الكهربائية، حيث تعتمد صناعة أقطاب البطاريات بصورة شبه كاملة عليه، فيما تهيمن الصين على أكثر من 90% من عمليات معالجته، وفرضت منذ عام 2024 قيوداً على صادراته، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن أمن الإمدادات العالمية.
وفي المقابل، يشهد الكوبالت تحولاً تدريجياً في سوق البطاريات، إذ أصبحت بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم (LFP) تنافس البطاريات التقليدية التي تعتمد على الكوبالت، ما خفف نسبياً من المخاطر المرتبطة بسيطرة جمهورية الكونغو الديمقراطية على أكثر من ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي، إضافة إلى هيمنة الصين على عمليات التكرير.
ولا يزال النيكل يحتفظ بمكانته في الصناعات الثقيلة والفولاذ المقاوم للصدأ، إلى جانب استخدامه في بطاريات السيارات الكهربائية بعيدة المدى، رغم توسع استخدام بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم في السيارات منخفضة ومتوسطة التكلفة.
في المقابل، تمثل العناصر الأرضية النادرة الحلقة الأكثر حساسية في سلاسل التوريد العالمية، إذ تدخل في تصنيع المغناطيسات الدائمة المستخدمة في السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والروبوتات، والمعدات الإلكترونية المتقدمة، بينما تسيطر الصين على نحو 60% من الإنتاج العالمي وما يقرب من 90% من عمليات التكرير، مع فرض قيود تصديرية جديدة منذ عام 2025.
ويعتمد الاتحاد الأوروبي بصورة كبيرة على الواردات لتأمين احتياجاته من هذه المواد، خصوصاً الليثيوم والجرافيت والكوبالت المعالج والعناصر الأرضية النادرة، حيث تعد الصين المورد الرئيس لمعظم هذه المنتجات، في حين يستورد النحاس من دول مثل تشيلي والبرازيل وبيرو، ويظل النيكل الروسي أحد المصادر المهمة للسوق الأوروبية.
ويرى خبراء أن تركّز عمليات الاستخراج والمعالجة في عدد محدود من الدول يجعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة للاضطرابات الناتجة عن التوترات الجيوسياسية أو القيود التجارية أو تعطل الإنتاج، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على المعادن اللازمة للتحول نحو الطاقة النظيفة.
ورغم جهود الاتحاد الأوروبي لتنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على الصين، فإن التحدي لا يقتصر على المواد الخام فقط، بل يمتد إلى المنتجات الوسيطة والمكونات المصنعة، مثل المغناطيسات عالية الأداء، التي لا تزال الصين تهيمن على إنتاجها، ما يعزز الحاجة إلى بناء سلاسل إمداد أكثر تنوعاً ومرونة خلال السنوات المقبلة.
م.ال
أضف تعليقاً