حذرت دراسة حديثة نشرتها وكالة عالمية،من أن تنامي الاهتمام العالمي بالصحة النفسية، رغم دوره في الحد من الوصمة الاجتماعية وتشجيع طلب العلاج، قد يحمل آثاراً غير مقصودة تتمثل في زيادة شعور الأفراد بالاضطرابات النفسية وتحويل كثير من التجارب العاطفية الطبيعية إلى حالات يُنظر إليها على أنها مرضية.
وأوضحت الدراسة التي نشرت في (نيويورك تايمز)، أن حملات التوعية، وانتشار تطبيقات الصحة النفسية، وتزايد المحتوى المتعلق بالاضطرابات النفسية على وسائل التواصل الاجتماعي، أسهمت في رفع الوعي العام، لكنها في الوقت ذاته وسعت مفهوم المرض النفسي، ما جعل عدداً أكبر من الأشخاص يفسرون مشاعر مثل الحزن أو التوتر أو الإرهاق بوصفها مؤشرات على اضطرابات نفسية.
وبحسب الدراسة، فإن هذا "التوسع المفاهيمي" يزيد حساسية الأفراد تجاه الأعراض النفسية، ويدفع بعضهم إلى تشخيص أنفسهم استناداً إلى معلومات غير متخصصة، خصوصاً عبر منصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذي قد يرسخ لديهم شعوراً بأنهم يعانون من اضطرابات نفسية حتى في غياب تشخيص طبي.
وأضافت أن الأبحاث تشير إلى أن التعرض المستمر للمحتوى الذي يطبع القلق أو الصدمات النفسية قد يجعل الأشخاص أكثر ميلاً لتفسير تجاربهم اليومية باعتبارها مؤلمة أو مرضية، وهو ما قد يفاقم مستويات الضيق النفسي ويحول التوقعات السلبية إلى واقع فعلي.
وأشارت الدراسة إلى، أن القلق، على سبيل المثال، يمثل استجابة طبيعية تساعد الإنسان على التعامل مع المخاطر والتحديات، إلا أن التعامل معه بوصفه اضطراباً دائماً قد يدفع الأفراد إلى تجنب المواقف الضاغطة، وهو سلوك قد يزيد احتمالات الإصابة باضطرابات القلق على المدى الطويل.
وفي المقابل، دعت الدراسة إلى تبني نهج أكثر توازناً في دعم الصحة النفسية، يقوم على تعزيز أنماط الحياة الصحية بدلاً من التركيز المستمر على مراقبة الأعراض، مؤكدة أن النشاط البدني يعد من أكثر الوسائل فعالية في الحد من أعراض القلق والاكتئاب، وفي بعض الحالات يحقق نتائج تضاهي العلاج النفسي أو الدوائي.
كما لفتت إلى أن الانخراط في الأعمال التطوعية ومساعدة الآخرين يسهم في تحسين الصحة النفسية، إذ يقلل من الانشغال المفرط بالمشكلات الشخصية ويعزز الشعور بالترابط الاجتماعي.
وأكدت الدراسة، أن الإحساس بالمعنى والغاية في الحياة يعد من أهم عوامل تعزيز الصمود النفسي، إذ يرتبط بانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق وإدمان المخدرات والانتحار، موضحة أن هذا الشعور يتعزز من خلال المشاركة المجتمعية والإحساس بأهمية الدور الذي يؤديه الفرد في حياة الآخرين، أكثر من اعتماده على التأمل الذاتي وحده.
وخلصت الدراسة إلى أن تحسين الصحة النفسية لا يتطلب التخلي عن التوعية أو العلاج، بل يستدعي تحقيق توازن بين زيادة الوعي وتجنب تحويل التحديات اليومية الطبيعية إلى اضطرابات مرضية، مع التركيز على بناء أنماط حياة نشطة، وتعزيز العلاقات الاجتماعية، وإيجاد معنى للحياة بوصفها عوامل أساسية للحفاظ على الصحة النفسية.
أضف تعليقاً