بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
حقوق الانسان

حين تصبح النجاة (روتيناً يومياً).. كيف تآكلت حقوق الإنسان في غزة؟

لا تختصر الأرقام وحدها حجم الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، فخلف حصيلة القتلى والجرحى والنازحين، تتشكل حياة يومية مختلفة جذرياً، أصبح فيها البحث عن الماء، والعثور على مكان آمن، والحصول على العلاج، وحتى امتلاك حذاء صالح للسير، تحديات ترتبط بأبسط الحقوق الإنسانية.

هذا الجانب من الحرب يسلط عليه الضوء مقال تحليلي للكاتب والصحفي حسام شاكر نشره موقع Middle East Eye، وترجمته وكالة النبأ، متتبعاً تفاصيل تبدو صغيرة أمام مشاهد القصف والدمار، لكنها تكشف كيف امتد أثر الحرب إلى مختلف جوانب الحياة المدنية في القطاع.

ويشير الكاتب إلى أن آلاف الفلسطينيين لا تزال جثامين بعضهم عالقة تحت الأنقاض، فيما تعجز أسرهم عن انتشالها.

ومن زاوية حقوق الإنسان، تكتسب هذه التفاصيل أهمية تتجاوز وصف المعاناة، لأنها تمس مجموعة مترابطة من الحقوق الأساسية: الحق في الحياة والأمن، والحصول على المياه والغذاء والرعاية الصحية والسكن، فضلاً عن حقوق الأطفال والنساء والنازحين والحق في العيش بكرامة.

ويبدأ المقال من أحد أكثر عناصر الحياة اليومية حضوراً في غزة: الصوت.

فالطائرات المسيّرة الإسرائيلية تحلق فوق القطاع بصورة مستمرة، ويطلق عليها السكان اسم "الزنانة" بسبب صوتها المميز.

ويرى المقال أن وجودها الدائم لا يقتصر أثره على المراقبة العسكرية، بل يخلق إحساساً مستمراً لدى السكان بأنهم مراقبون وأن ضربة قد تقع في أي لحظة.

ويصبح الأمر أكثر خطورة حين يقترن غياب الإنذار بغياب المكان الآمن نفسه.

فبحسب المقال، لم تعد فكرة صفارات التحذير ذات معنى في بيئة يتواصل فيها القصف ولا تتوفر فيها ملاجئ يمكن للسكان الوصول إليها، فيما تستطيع الذخائر الثقيلة اختراق الأرض وإحداث حفر عميقة في المناطق السكنية والمخيمات ومحيط المستشفيات ودور العبادة.

ويمثل ذلك إحدى القضايا المركزية في القانون الدولي الإنساني، الذي يفرض حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتجنيبهم آثار العمليات العسكرية.

ويشير المقال إلى أن مدارس تابعة للأمم المتحدة لجأت إليها عائلات نازحة تعرضت للقصف، كما طالت الحرب أماكن عبادة ومستشفيات ومنشآت إنسانية.

ويستعيد في هذا السياق مقتل سبعة من موظفي منظمة "وورلد سنترال كيتشن" إثر استهداف قافلتهم في دير البلح في الأول من أبريل/نيسان 2024.

لكن اختبار الحقوق الأساسية لا يبدأ عند سقوط القنابل وينتهي بتوقفها، بل يمتد إلى ما يحتاج إليه الإنسان للبقاء حياً.

فالحصول على الماء، الذي يُعد حقاً أساسياً وشرطاً ضرورياً للحياة والصحة، تحول وفق التقرير إلى رحلة يومية شاقة.

ويشير إلى أن شبكات المياه تعرضت للتدمير، فيما أدى الحصار الذي أعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى قطع الإمدادات عن سكان القطاع الذين يزيد عددهم على مليوني شخص.

ومع تدمير المنازل والبنية التحتية المدنية، اختفت صنابير المياه من حياة أعداد كبيرة من السكان، وأصبحت نقاط محدودة للمياه وجهةً يتكدس عندها الناس حاملين الأوعية، فيما قد تستغرق المهمة التي كانت تحتاج إلى دقائق رحلة طويلة لا يضمن خلالها الفرد عودته سالماً.

وتكشف هذه الصورة كيف تتشابك الحقوق الإنسانية بعضها مع بعض، فغياب الماء لا يعني العطش فقط، وإنما يؤثر في النظافة والصحة والغذاء والخصوصية، ويضاعف مخاطر الأمراض، خصوصاً في تجمعات النزوح المكتظة.

كما اضطرت الأسر إلى توزيع مهام البقاء بين أفرادها؛ شخص يبحث عن الماء، وآخر يحاول العثور على الغذاء أو الطحين، فيما تتحول تلبية الاحتياجات الأساسية إلى نشاط يومي محفوف بالخطر.

النساء.. عبء مضاعف خلف مشاهد الحرب

ويخصص المقال مساحة لمعاناة النساء والفتيات، إذ أدى نقص المياه والمرافق الصحية ومواد النظافة الشخصية إلى ظروف شديدة الصعوبة، بالتزامن مع فقدان الخصوصية نتيجة النزوح والعيش في الخيام والأماكن المفتوحة.

وبحسب المقال، اضطرت نساء كثيرات إلى قيادة جهود أسرهن للانتقال من المنازل المدمرة إلى الطرق أو الشواطئ وإقامة خيام بمواد متاحة، بينما أصبحت الاحتياجات الصحية النسائية ودورات المياه وغيرها من أساسيات الحياة اليومية نادرة أو غير متوفرة.

وتبرز هنا قضية لا تحظى دائماً بالمساحة نفسها التي تحظى بها الخسائر المباشرة للحرب: الكرامة الإنسانية أثناء النزوح.

فالحماية الإنسانية لا تعني مجرد إبقاء الإنسان على قيد الحياة، بل توفير الحد الأدنى من المياه والصرف الصحي والخصوصية والرعاية الصحية والغذاء والمأوى الآمن.

حتى المطبخ، وهو أحد أكثر تفاصيل الحياة المنزلية اعتيادية، تغيرت وظيفته.

ويقول المقال، إن الأسر التي فقدت منازلها باتت تعتمد على مواقد بدائية مصنوعة من الطين أو الحجارة، مستخدمة مواد قد تكون ضارة بالصحة والبيئة وقابلة لإشعال الحرائق داخل تجمعات الخيام المكتظة.

حين تكشف الأسنان انهيار النظام الصحي

ومن أكثر زوايا المقال دلالةً على التأثير البعيد للحرب ما يتعلق بصحة الأسنان.

فقد أدى تدمير أو تعطيل العيادات والمستشفيات، إلى جانب سقوط ضحايا بين الكوادر الطبية والقيود على دخول الأدوية والمستلزمات، إلى تراجع القدرة على الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

ويقول المقال إن حتى معجون الأسنان وفرشاة الأسنان أصبح الحصول عليهما بالنسبة إلى بعض السكان أمراً بالغ الصعوبة.

وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أنها تكشف أن انهيار النظام الصحي لا يظهر فقط في غرف العمليات وأقسام الطوارئ، وإنما يمتد تدريجياً إلى الأمراض المزمنة والرعاية الوقائية وصحة الفم والأطفال والنساء وكبار السن.

وبذلك تتحول آثار الحرب من إصابات مباشرة إلى تدهور صحي تراكمي قد يستمر لسنوات بعد توقف العمليات العسكرية.

النزوح الذي لا ينتهي

ويبرز النزوح المتكرر باعتباره وجهاً آخر للأزمة الحقوقية.

ويقول المقال إن غالبية سكان القطاع أُجبروا على الانتقال مرات متعددة بين مناطق مختلفة، نتيجة أوامر الإخلاء أو العمليات العسكرية، حاملين ما يستطيعون من ممتلكاتهم ومستلزمات إقامة المأوى المؤقت.

وفي كثير من الحالات، لا تنتهي الرحلة بالوصول إلى مكان جديد؛ إذ قد يضطر النازحون إلى الرحيل مرة أخرى بعد وقت قصير، لتتحول حياتهم إلى دورة متكررة من الانتقال والبحث عن مأوى.

ويلتقط المقال صورة بسيطة تختصر جانباً من هذه الرحلة: الأحذية البالية.

فقد ظهر نازحون يسيرون لمسافات طويلة بأحذية ممزقة أو حفاة بعدما تلفت أحذيتهم ولم يعد الحصول على بدائل أمراً يسيراً.

ويضطر بعض السكان إلى ترقيع أحذيتهم القديمة وإصلاحها، في ظل نقص واسع في الاحتياجات الأساسية.

ليست المشكلة في الحذاء بحد ذاته، لكنها تكشف مقدار ما تغيرت معه معايير الحياة؛ إذ يصبح الشيء الذي كان استهلاكياً بسيطاً أداة ضرورية للنجاة من رحلة نزوح جديدة.

أطفال يرون ما لا ينبغي لطفل أن يراه

وتبقى حقوق الأطفال من أكثر جوانب الأزمة خطورة.

فالمقال يرسم صورة لجيل نشأ وسط أصوات المسيّرات والقصف والنزوح ومشاهدة الموت، مشيراً إلى أن أطفالاً شاهدوا مراراً أشلاء بشرية قد تكون لأفراد من عائلاتهم أو أصدقائهم أو جيرانهم.

ويصف تجربة الأطفال الذين بقوا تحت الأنقاض لفترات طويلة وهم بين الحياة والموت، قبل انتشالهم ليجد بعضهم أن المنزل اختفى أو أن أفراداً من عائلتهم لم يعودوا موجودين.

وهنا يتجاوز الضرر الإصابات الجسدية المباشرة إلى آثار نفسية واجتماعية عميقة، في وقت يفترض أن تمنح فيه اتفاقية حقوق الطفل حماية خاصة للأطفال خلال النزاعات المسلحة.

ويختتم الكاتب مقاله بسؤال يتجاوز غزة نفسها إلى منظومة حقوق الإنسان الدولية: ماذا تبقى من الاتفاقيات المصممة لحماية الطفولة عندما تستمر الانتهاكات والمعاناة أمام العالم، وتُنقل صورها بصورة شبه مباشرة، من دون قدرة النظام الدولي على وقفها؟

ومن منظور حقوق الإنسان، ربما تكون هذه هي القضية الأوسع التي تكشفها تفاصيل الحياة في غزة.

فالحرب لا تُقاس فقط بعدد من فقدوا حياتهم، وإنما أيضاً بما يحدث لمن بقوا أحياء: هل يجدون ماءً؟ هل يستطيعون تلقي العلاج؟ هل يملكون مكاناً آمناً للنوم؟ هل تستطيع المرأة الحفاظ على خصوصيتها؟ وهل يستطيع الطفل أن يعيش طفولته بعيداً عن مشاهد الموت؟

وبين صوت المسيّرة في السماء، والرحلة للحصول على الماء، والأسنان التي لا تجد علاجاً، والحذاء الذي يتآكل في طريق النزوح، تظهر صورة أقل حضوراً في نشرات الحرب لكنها شديدة الدلالة: حين تتحول ممارسة أبسط حقوق الإنسان إلى معركة يومية من أجل البقاء، لا تعود الأزمة مجرد حصيلة للضحايا، بل تصبح أزمةً للحق في الحياة بكرامة ذاته.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً