ارتبطت أزمات الغذاء التي شهدها العالم عادة بتزامن عدة عوامل، من بينها تراجع المحاصيل، والحروب، وارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، واضطراب الشحن، وانخفاض المخزونات، وفرض قيود على التصدير، وليس فقط بالنقص المطلق في الإنتاج. ومع اجتماع هذه العوامل، تنتقل الصدمة من الأسواق الدولية إلى أسعار المستهلك، خصوصاً في الدول المستوردة للغذاء، حيث تنفق الأسر نسبة مرتفعة من دخلها على السلع الأساسية.
أزمة الغذاء العالمية الأولى
بدأت أولى أزمات الغذاء الكبرى في العصر الحديث مع تراجع المحاصيل العالمية في مطلع سبعينيات القرن الماضي بين 1972 و1975، إذ أدت الأحوال الجوية السيئة إلى انخفاض إنتاج الحبوب في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، بالتزامن مع زيادة الطلب العالمي وارتفاع مشتريات الاتحاد السوفييتي سابقاً من الحبوب بعد تعرض محصوله للضرر.
وساهم انخفاض المخزونات العالمية في تضييق هامش الأمان أمام الأسواق. وذكرت منظمة الأغذية والزراعة "فاو"، في تقريرها "حالة الأغذية والزراعة 1975" الصادر عام 1976، أن مخزونات الحبوب تراجعت إلى ما يعادل نحو 11% من الاستهلاك العالمي السنوي، مقابل أكثر من 20% في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ما زاد حساسية الأسعار لأي نقص إضافي في الإنتاج أو ارتفاع مفاجئ في الطلب.
وتفاقمت الأزمة بعد حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 وصدمة النفط التي أعقبتها، إذ ارتفعت تكاليف الوقود والنقل والأسمدة وتشغيل المعدات الزراعية. ووفق دراسة نشرها صندوق النقد الدولي في مارس/ آذار 1984، تضاعف المؤشر العام لأسعار السلع الأولية تقريباً خلال عامي 1973 و1974، بينما أسهم ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة في موجة تضخمية امتدت إلى معظم الاقتصادات.
أزمة الغذاء بين 2007 و2009
بدأت مقدمات الأزمة الثانية خلال عامي 2006 و2007، عندما تراجعت محاصيل الحبوب في عدد من الدول المنتجة، بينما انخفضت المخزونات العالمية إلى مستويات محدودة. وتزامن ذلك مع ارتفاع أسعار النفط والأسمدة والشحن، وزيادة استخدام الذرة والزيوت النباتية في إنتاج الوقود الحيوي، إلى جانب نمو الطلب على الغذاء في الاقتصادات الناشئة.
وأدت هذه العوامل إلى ارتفاع أسعار القمح والذرة والأرز والزيوت النباتية، قبل أن تتفاقم الأزمة مع فرض عدد من الدول قيوداً أو حظراً على تصدير الحبوب. وحاولت الحكومات حماية أسواقها المحلية، لكن الإجراءات المتزامنة قلّصت المعروض في التجارة الدولية ودفعت الأسعار إلى مستويات أعلى.
وذكر البنك الدولي، في ورقة بحثية أصدرها في ديسمبر/كانون الأول 2008، أن أسعار الغذاء العالمية المقومة بالدولار أصبحت بحلول مارس/آذار 2008 أعلى بأكثر من مرتين ونصف مقارنة بمستوياتها في مطلع 2002، فيما وقع نحو ثلاثة أرباع هذه الزيادة بعد 2006.
وذكرت "فاو"، في تقريرها "حالة أسواق السلع الزراعية 2009" الصادر عام 2009، أن أسعار الحبوب العالمية ارتفعت بقوة حتى النصف الأول من 2008، قبل أن تتراجع لاحقاً بنحو 50%. ورغم هذا الانخفاض، ظل متوسط مؤشر المنظمة لأسعار الغذاء خلال 2008 أعلى بنسبة 24% مقارنة بعام 2007، وبنسبة 57% مقارنة بعام 2006.
كما أكدت "فاو"، في تقرير لاحق صدر عام 2011 بعنوان "حالة الأغذية والزراعة 2010-2011"، أن عدد الذين يعانون نقص التغذية ارتفع خلال أزمة أسعار الغذاء في 2008، ثم سجل قفزة أخرى في 2009، نتيجة الأزمة المالية العالمية واستمرار ارتفاع أسعار الغذاء في الأسواق المحلية لعدد كبير من الدول النامية.
موجة الغذاء الجديدة بين 2010 و2012
بعد الانخفاض النسبي الذي أعقب أزمة 2008، بدأت الأسعار في الارتفاع مجدداً خلال النصف الثاني من 2010. وجاءت الموجة الجديدة بعد موجات جفاف وحرائق أضرت بمحاصيل القمح في روسيا وأوكرانيا وكازاخستان، إلى جانب أحوال جوية سيئة في دول منتجة أخرى.
وأعلنت روسيا حظراً على تصدير الحبوب في أغسطس/آب 2010، ما أثار مخاوف بشأن إمدادات القمح العالمية. وساهمت قيود التصدير وارتفاع أسعار النفط وتراجع بعض المحاصيل وانخفاض المخزونات في تسريع ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت والسكر.
وأفاد البنك الدولي في فبراير 2011 بأن مؤشره لأسعار الغذاء ارتفع بنسبة 15% بين أكتوبر/تشرين الأول 2010 ويناير/كانون الثاني 2011، وبات أعلى بنسبة 29% مقارنة بمستواه قبل عام، وأقل بنحو 3% فقط من ذروة يونيو/حزيران 2008. وخلال الفترة نفسها، ارتفعت أسعار السكر 20%، والدهون والزيوت 22%، والقمح 20%، والذرة 12%.
وكان القمح من أكثر السلع ارتفاعاً، إذ تضاعفت أسعاره بين أدنى مستوى سجلته في يونيو/حزيران 2010 ويناير /كانون الثاني 2011. كما بلغ مؤشر "فاو" لأسعار الغذاء في مايو/أيار 2011 مستوى يزيد بنسبة 37% على مستواه في مايو 2010. وقدرت دراسات نشرها البنك الدولي أن موجة ارتفاع أسعار الغذاء في 2010 و2011 دفعت ملايين إضافية إلى الفقر.
أحدث انتشار جائحة كورونا في 2020 اضطراباً واسعاً في سلاسل الغذاء، حتى عندما ظل الإنتاج العالمي كافياً في المجمل. فقد أدت إجراءات الإغلاق إلى نقص العمالة في المزارع والمصانع والموانئ، وتأخير الشحن، وإغلاق الأسواق والمطاعم، وارتفاع تكاليف النقل والتخزين.
وفي المرحلة الأولى من الجائحة، تمثلت المشكلة في تعطل حركة الغذاء والوصول إليه أكثر من نقص الإنتاج العالمي. ثم بدأت الأسعار في الارتفاع مع تعافي الطلب، وزيادة مشتريات الدول، وارتفاع أسعار الطاقة والشحن، واضطراب الطقس، وفرض بعض القيود التجارية.
وأفادت "فاو"، في موجز تحليلي أصدرته في مارس/آذار 2023 بعنوان "معدلات تضخم مؤشري أسعار المستهلك العام والغذائي"، بأن تضخم أسعار الغذاء للمستهلك عالمياً ارتفع من 0.6% في 2019 إلى 6.3% في 2020، ثم إلى 6.8% في 2021. كما أظهر تقرير للمنظمة عن تداعيات جائحة كورونا أن مؤشر أسعار الغذاء أصبح بحلول منتصف 2021 أعلى بأكثر من 30% مقارنة بالفترة نفسها من 2020، وبلغ أعلى مستوياته منذ نحو عقد.
الحرب الروسية الأوكرانية 2022
مثّل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 امتداداً أكثر حدة لموجة الأسعار التي بدأت خلال الجائحة. وتكتسب روسيا وأوكرانيا أهمية كبيرة في تجارة القمح والذرة وزيت دوار الشمس والأسمدة، لذلك أثار توقف الموانئ الأوكرانية والعقوبات واضطراب الشحن مخاوف من فقدان جزء كبير من الإمدادات العالمية.
وذكر البنك الدولي، في إبريل/نيسان 2022 حول تأثير الحرب في أوكرانيا على الأمن الغذائي، أن روسيا وأوكرانيا كانتا تمثلان معاً نحو 29% من صادرات القمح العالمية و62% من صادرات زيت دوار الشمس. وأوضح أن الحرب عطلت إنتاج الغذاء وتصديره من المنطقة، ما فاقم تضخم أسعار الغذاء، خصوصاً في الاقتصادات الناشئة والنامية والدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد.
وأعلنت "فاو" في إبريل/نيسان 2022 أن مؤشرها لأسعار الغذاء قفز خلال مارس/آذار بنسبة 12.6% مقارنة بالشهر السابق، وبنسبة 33.6% مقارنة بمارس/آذار 2021، مسجلاً أعلى مستوى في تاريخه. كما ارتفع مؤشر الزيوت النباتية بنسبة 23.2% خلال شهر، مدفوعاً بتعطل صادرات زيت دوار الشمس وارتفاع الطلب على زيوت النخيل والصويا واللفت.
وامتدت الصدمة إلى القمح والذرة والأسمدة والطاقة. وأعلنت "فاو" في يونيو/حزيران 2022، أن أسعار القمح العالمية ارتفعت خلال مايو/أيار بنسبة 5.6% مقارنة بإبريل/نيسان، وأصبحت أعلى بنسبة 56.2% مقارنة بمايو/أيار 2021، رغم تراجع مؤشر أسعار الغذاء للشهر الثاني على التوالي عن ذروته المسجلة في مارس/آذار.
وانتقلت زيادة الأسعار الدولية إلى معدلات التضخم المحلية. وأفاد البنك الدولي، في تقريره عن الأمن الغذائي الصادر في ديسمبر/كانون الأول 2022، بأن أحدث البيانات المتاحة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول أظهرت تجاوز تضخم الغذاء 5% في 84.2% من الدول منخفضة الدخل، و93% من الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى والأعلى معاً.
وساهمت مبادرة حبوب البحر الأسود، التي بدأت في يوليو/تموز 2022، في استئناف جزء من الصادرات الأوكرانية وتهدئة الأسعار الدولية. غير أن أسعار المستهلك بقيت مرتفعة في عدد كبير من الدول بسبب بطء انتقال الانخفاضات الدولية إلى الأسواق المحلية، وضعف العملات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
إغلاق مضيق هرمز 2026
بدأت الأزمة الحالية بعد اتساع الحرب في المنطقة منذ 28 فبراير/شباط، وتعطل الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة. وانخفاض عدد السفن العابرة بنحو 95% في مارس/آذار، وفق "أونكتاد".
وتكمن الخطورة الغذائية في أن دول الخليج من كبار منتجي ومصدري اليوريا والأمونيا والكبريت، وهي مواد أساسية لصناعة الأسمدة. وتعطل صادراتها رفع تكاليف الزراعة، ما دفع بالمزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة، ما هدد المحاصيل اللاحقة حتى إن عادت حركة الملاحة تدريجياً.
وذكر البنك الدولي، في 22 مايو/أيار الماضي، أن أسعار الغذاء العالمية ارتفعت خلال الشهرين التاليين لاندلاع الحرب بنسبة 5% مقارنة بالشهرين السابقين. وقفزت أسعار الزيوت والوجبات الزراعية 10%، فيما ارتفعت أسعار الحبوب بنحو 3%، لتصل أسعار الغذاء العالمية في إبريل/نيسان إلى أعلى مستوى لها منذ يناير/كانون الثاني 2024.
ومع ذلك، لم تبلغ أسعار الغذاء الدولية حتى الآن ذروة 2022. فقد سجل مؤشر "فاو" 131.1 نقطة في يوليو/تموز الماضي، مرتفعاً 1% عن مستواه قبل عام، لكنه ظل أقل بنسبة 18.2% من قمته التاريخية المسجلة في مارس/آذار 2022. وارتفع مؤشر الحبوب في يوليو/تموز بنسبة 3.4% خلال شهر، فيما قفزت أسعار القمح 5.8% بسبب اضطراب صادرات البحر الأسود والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وارتفاع درجات الحرارة حسب "فاو".
حقوق الانسان
من أزمات السبعينيات إلى هرمز 2026.. كيف تهدد الحروب والطقس والطاقة الأمن الغذائي العالمي؟
الوسوم
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً