بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

الصين والشرق الأوسط.. كيف حوّلت بكين اعتمادها على النفط إلى ورقة نفوذ؟

لم تؤدِ الحرب مع إيران واضطرابات إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط إلى دفع الصين نحو لعب دور عسكري أو سياسي مباشر في المنطقة، بل كشفت عن نهج مختلف تبنته بكين على مدى سنوات، يقوم على تحويل اعتمادها الكبير على النفط والغاز إلى مخاطر يمكن إدارتها عبر تنويع مصادر الإمداد، وبناء الاحتياطيات، وزيادة الإنتاج المحلي وتسريع التحول نحو الكهرباء.

وبحسب تحليل نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة "RUSI"، للباحث أندريا غيسيلي، وترجمته وكالة النبأ، فإن الأزمة الأخيرة أظهرت أن الصين لم تتخلص من اعتمادها على الشرق الأوسط، لكنها أصبحت أكثر قدرة على تحمل تداعيات اضطراب الإمدادات، وهو ما يمنحها مساحة أكبر للمناورة في سياستها الخارجية.

ويشير التحليل إلى أن الصين ما تزال أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأن أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية تأتي من الخارج، فيما يرتبط نحو نصف وارداتها بالنفط القادم من الشرق الأوسط أو عبر مضيق هرمز، ما يجعلها معرضة بصورة مباشرة لأي اضطراب طويل في هذا الممر البحري الحيوي.

لكن غيسيلي يرى أن هذا الاعتماد لم يتحول إلى "أسر استراتيجي"، نتيجة سياسة صينية طويلة الأمد هدفت إلى عدم الارتهان لمورد أو طريق نقل أو مصدر طاقة واحد.

تنويع الإمدادات والاحتياطيات

ووفق التحليل المنشور على موقع "RUSI"، حافظت حصة النفط القادم من الشرق الأوسط من إجمالي واردات الصين على مستوى يقارب النصف، رغم ارتفاع حجم الاستهلاك، فيما وسعت بكين مشترياتها من روسيا وآسيا الوسطى وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وفي قطاع الغاز، ساعد ارتفاع الإنتاج المحلي إلى جانب واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب في خفض اعتماد الصين على الغاز الطبيعي المسال مقارنة بمستويات عام 2020.

كما دخلت بكين الأزمة الحالية وهي تمتلك، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، نحو 1.4 مليار برميل من احتياطيات النفط الاستراتيجية تراكمت على مدى سنوات.

ويذكر التحليل أن الصين أضافت خلال عام 2025 وحده نحو 1.1 مليون برميل يومياً إلى احتياطياتها، مستفيدة من شراء النفط الروسي والإيراني المخفض، إضافة إلى انخفاض الأسعار العالمية.

ويمنح حجم المخزون والقدرات التكريرية الصين هامشاً واسعاً للتعامل مع اضطرابات الإمدادات، إذ تستطيع مصافيها معالجة كميات تقارب ضعف حجم النفط الذي تستورده، بحسب التحليل.

بكين تدير الطلب بدلاً من الاستسلام للصدمة

ولا تقتصر استراتيجية الصين على تخزين النفط، إذ تستخدم الحكومة مجموعة من الأدوات لإدارة السوق المحلية في أوقات الأزمات، تشمل خفض معدلات تشغيل المصافي، وإدارة إنتاج المشتقات النفطية، والاستفادة من المخزونات التجارية، والحد من صادرات المنتجات النفطية، إلى جانب التحكم في الأسعار المحلية والوصول إلى الخام منخفض التكلفة.

وينقل غيسيلي عن تحليلات متخصصة أن خفض تشغيل المصافي بنحو 5% قد يسمح للصين بتلبية معظم الطلب المحلي على البنزين والديزل إذا ظلت واردات النفط المنقولة بحراً عند نحو 8 ملايين برميل يومياً، وإن كان ذلك سيأتي على حساب بعض احتياجات قطاع البتروكيماويات.

أما خفض التشغيل بنسبة 10%، فقد يسمح بتقليص الحاجة إلى الواردات بصورة أكبر لفترة محدودة، لكنه سيجبر المصافي على إعطاء الأولوية لوقود النقل على حساب المواد الأولية المستخدمة في الصناعات البتروكيماوية.

السيارات الكهربائية تخفف الضغط على النفط

ويبرز التحليل أيضاً الدور المتزايد للكهرباء في تقليص تعرض الاقتصاد الصيني لصدمات النفط.

فأسطول الشاحنات الكهربائية في الصين أسهم، وفق التحليل، في إزاحة ما يقارب مليون برميل من النفط يومياً من الطلب خلال عام 2025، مع توقع ارتفاع الكمية إلى نحو 2.7 مليون برميل يومياً بحلول عام 2030.

ويرى غيسيلي أن التحول نحو الكهرباء لا يرتبط فقط بالسياسة المناخية، بل يمثل أيضاً جزءاً من استراتيجية أمن الطاقة الصينية، في ظل استمرار بكين في الاستثمار بالطاقة الشمسية ومصادر الطاقة الأخرى، بالتزامن مع تراجع كثافة استهلاك الطاقة في الاقتصاد.

الصين لا تسعى إلى السيطرة على الخليج

وبحسب التحليل، فإن قدرة الصين على تحمل اضطرابات الطاقة لا تعني أنها أصبحت قادرة على التحكم في الشرق الأوسط أو حماية طرق التجارة بنفسها.

بل على العكس، تشير السياسة الصينية إلى رغبة في تقليص قدرة الأزمات الإقليمية على فرض خيارات على بكين، بدلاً من محاولة حل النزاعات في المنطقة.

ويرى غيسيلي أن الاعتقاد بأن اعتماد الصين على نفط الخليج سيجبرها على التحول إلى وسيط أو قوة أمنية في الشرق الأوسط "تبسيط مفرط" لطبيعة السياسة الصينية.

ويضيف أن بكين ستتعاون عندما تتوافق مصالحها مع الآخرين، خصوصاً في منع الانهيار الكامل لتدفقات الطاقة من الخليج، وتجنب ارتفاعات غير قابلة للسيطرة في أسعار النفط، والحفاظ على طرق الشحن، والحد من التصعيد الإقليمي.

لكنها، في المقابل، ستقاوم الضغوط الغربية عندما تهدد تلك الضغوط وصولها إلى النفط منخفض التكلفة الخاضع للعقوبات، أو علاقاتها مع إيران، أو جهودها لبناء قنوات مالية وتجارية أقل تعرضاً للنفوذ الأمريكي.

درس للصين والغرب

ويخلص التحليل إلى أن نجاح الصين في إدارة مخاطر الطاقة يمثل درساً مهماً لصانعي السياسات في الغرب.

فالصين لم تحقق الاستقلال عن النفط الخارجي، ولا تستطيع التحكم في الخليج، كما أن إغلاقاً طويلاً لمضيق هرمز سيظل قادراً على إلحاق أضرار كبيرة باقتصادها.

لكن ما بنته بكين خلال السنوات الماضية منحها، وفق غيسيلي، الوقت والمرونة وهامشاً أوسع للمساومة، ما جعل الاعتماد على الشرق الأوسط أقل حسماً في تحديد خياراتها الاستراتيجية.

ويقول التحليل إن هذه النتيجة قد تكون ذات أهمية تتجاوز سوق الطاقة، خصوصاً في ظل النقاشات المتعلقة بقدرة الصين على الصمود أمام أزمات جيوسياسية أخرى، بما فيها احتمال اندلاع نزاع في مضيق تايوان، حيث يُنظر منذ سنوات إلى الحصار الاقتصادي وتعطيل إمدادات الطاقة كأحد أدوات الضغط المحتملة على بكين.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً