بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

الشباب الباحثين عن عمل.. لا يمكن أن تكون الاستدامة مجرد هدف لعام 2050

ياسر جرّار*
التحدي الدائم لعالم الشركات هو كيفية تحقيق التوازن الصحيح بين الأهداف قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. وينطبق هذا الأمر الآن بشكل خاص على مجال الاستدامة. فعلى مدى العقدين الماضيين، ركز النقاش حول الاستدامة إلى حد كبير على الكربون، وهو أمر بالغ الأهمية لمستقبلنا، لكن العقد المقبل يحتاج إلى أن يبدأ بالتركيز على الوظائف، التي تمثل أهمية حاسمة لحاضرنا.

وهذا لا يعني التخلي عن الطموح المناخي، بل على العكس تماماً. لكنه يعني الاعتراف بواقع سياسي واقتصادي غير مريح: فالتحول الأخضر الذي لا يخلق فرصاً للناس سيفقد في نهاية المطاف دعم هؤلاء الناس، ولا يوجد مكان تبدو فيه هذه المسألة أكثر إلحاحاً اليوم من أوساط الشباب.

وعلى مستوى العالم، تبلغ نسبة بطالة الشباب نحو 12.4 بالمئة، ومن بين هؤلاء هناك نحو 260 مليون شاب، أي ما يقارب واحداً من كل خمسة، ليسوا في سوق العمل أو التعليم أو التدريب.

أما في العالم العربي، فإن التحدي أكبر بكثير. فنحو 60 بالمئة من السكان تقل أعمارهم عن 30 عاماً، أي ما يزيد قليلاً على 300 مليون شاب، من بينهم نحو 110 ملايين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، وهي الفئة التي تُعد في سن العمل وفقاً لمنظمة العمل الدولية. ومع ذلك، بلغت بطالة الشباب نحو 27.7 بالمئة العام الماضي، أي ضعف المتوسط العالمي تقريباً.

وعشية الانتفاضات العربية عام 2010، كان نحو شاب واحد من كل أربعة في القوى العاملة في المنطقة عاطلاً عن العمل. وبعد 15 عاماً، لا يزال الرقم عند نحو واحد من كل أربعة. لقد تغير جيل كامل، لكن أحد أكثر التحديات الاقتصادية جوهرية في المنطقة لم يتغير.

وهذه ليست مجرد أرقام صعبة في سوق العمل، بل إنها تمثل ملايين المسارات المهنية المؤجلة، والأسر التي تأخر تأسيسها، والمهارات غير المستغلة، وفرص النمو التي لم تتحقق. كما يمكن أن تترتب عليها تكلفة اجتماعية أعمق، إذ إن الاستبعاد المطول من الفرص الاقتصادية قد يولد الإحباط والعزلة وفقدان الثقة بالمؤسسات، وهي ظروف يمكن أن تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للتطرف والروايات المتطرفة.

والأكثر إثارة للقلق أن شباب اليوم غالباً ما يكونون أكثر تعليماً وطموحاً واتصالاً رقمياً من الجيل الذي سبقهم. ولم يعد تحدي المنطقة يقتصر على إنتاج المواهب، بل أصبح يتمثل أيضاً في تحويل هذه المواهب إلى فرص، ومنح الشباب حصة حقيقية وذات معنى في مستقبل مجتمعاتهم.

ومع مرور الوقت، أصبح البعد البيئي هو المهيمن. وتحولت أهداف خفض الكربون، والتزامات تحقيق الحياد الصفري، وتقارير الحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات، وأطر الإفصاح، إلى مؤشرات بديلة للاستدامة بحد ذاتها. وكل ذلك مهم، لكن الاستدامة أصبحت بطريقة ما شيئاً كثيراً ما تقوم المؤسسات بالإبلاغ عنه، بدلاً من أن تكون شيئاً تختبره المجتمعات بالضرورة في حياتها اليومية. ويجب الآن تصحيح هذه المعادلة.

ونرى بالفعل مؤشرات على هذا التحول في أوروبا والخليج وآسيا والولايات المتحدة، حيث يجري بشكل متزايد الربط بين السياسات الصناعية وسياسات الطاقة والتكنولوجيا من جهة، والوظائف والقدرات المحلية والمهارات ومرونة سلاسل الإمداد والقدرة التنافسية الوطنية من جهة أخرى.

وفي المملكة المتحدة، ستتطلب العقود الحكومية الآن توفير فرص عمل بدلاً من الاكتفاء بالأهداف الخضراء، بموجب قواعد جديدة. واعتباراً من يناير/كانون الثاني، ستواجه الشركات المتنافسة على عقود حكومية مركزية كبرى اختباراً أكثر صرامة بشأن الوظائف والمهارات والفرص التي توفرها محلياً، بما يحول ميزانية المشتريات الحكومية الضخمة إلى أداة من أدوات سياسة سوق العمل.

وستحصل الشركات المتقدمة للمناقصات الحكومية على حوافز مقابل توفير وظائف جيدة وبرامج تدريب مهني وخبرات عملية ومسارات مخصصة للشباب.

لذلك، تحتاج الحكومات إلى اعتماد لوحة مؤشرات جديدة. فمع كل استثمار رئيسي أو برنامج للبنية التحتية أو سياسة صناعية أو مبادرة للتحول الأخضر، ينبغي لصانعي السياسات طرح ثلاثة أسئلة على الأقل: ما حجم القيمة الاقتصادية التي سيخلقها؟ وكم عدد الأشخاص الذين سيتمكنون من المشاركة بصورة منتجة في هذه القيمة؟ وهل يمكن خلق هذه القيمة ضمن الحدود البيئية التي سيرثها جيل المستقبل؟

وهذا هو الخط الأساسي الثلاثي للاستدامة، وقد دخل الآن عصر الذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى شاب يبحث عن أول فرصة له، لا يمكن أن تكون الاستدامة مجرد هدف لعام 2050، بل يجب أن تبدو أيضاً كفرصة عمل صباح يوم الاثنين.


* ذاناشيونال

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً