تدخل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة تتداخل فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية مع محاولات إعادة فتح المسار الدبلوماسي، فيما تحول مضيق هرمز إلى إحدى أبرز أوراق الصراع بين الجانبين، وسط معلومات جديدة عن كواليس إغلاقه في الأيام الأولى من الحرب.
وبحسب تقرير لموقع "أكسيوس"، قال مسؤولان إسرائيليان إن القائد السابق للقوة البحرية في الحرس الثوري الإيراني، اللواء علي رضا تنكسيري، أصدر خلال الساعات الأولى للحرب أمراً بنشر ألغام بحرية داخل نظام فصل حركة المرور في مضيق هرمز، وهو الممر الدولي الرئيسي الذي تستخدمه السفن للعبور.
وأشار التقرير، الذي أعده مراسل "أكسيوس" باراك رافيد، إلى أن الخطوة جاءت بالتزامن مع إعلان إيران إغلاق المضيق وتحذيرها من استهداف الناقلات التي تحاول المرور، لكنه لم يورد رداً إيرانياً على الرواية أو دليلاً مستقلاً يثبت أن تنكسيري أصدر الأمر شخصياً.
وبحسب "أكسيوس"، قُتل تنكسيري بعد نحو ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب في غارة جوية إسرائيلية استهدفت بندر عباس، في وقت كانت فيه حركة الملاحة عبر المضيق تتعرض لضغوط متزايدة نتيجة الهجمات ومخاطر الألغام.
وأدت التطورات في هرمز إلى اضطرابات واسعة في حركة الشحن، فيما ارتفع خام برنت من نحو 72 دولاراً للبرميل عند بداية الحرب إلى مستويات بلغت 126 دولاراً خلال الشهرين التاليين، وفق التقرير.
وبدأت القوات الأميركية لاحقاً حملة لإعادة فتح الممر، شملت مرافقة السفن وتوفير غطاء جوي واعتراض طائرات مسيرة وصواريخ، فضلاً عن عمليات لإزالة الألغام شارك فيها غواصون وقوات من البحرية الأميركية ووسائل بحرية غير مأهولة.
وقال مسؤولون أميركيون لـ"أكسيوس" إن أكثر من 200 جسم يشتبه في أنها ألغام أزيلت من الممر الرئيسي، لكن عمليات الفحص أظهرت أن 11 منها فقط كانت ألغاماً فعلية، وأن عدداً محدوداً منها وُضع بطريقة صحيحة.
وأعلن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، أن ممرات الشحن المعترف بها دولياً أصبحت خالية من الألغام البحرية الإيرانية، فيما تقول واشنطن إن ما بين 20 و30 ناقلة باتت تستخدم القناة الجنوبية كل ليلة، بحمولات تتراوح في المتوسط بين تسعة وعشرة ملايين برميل، وهي مستويات لا تزال أدنى مما كانت عليه قبل الحرب.
لكن خبراء وجهات متخصصة في تتبع السفن شككوا في بعض التقديرات الأميركية بشأن حركة الملاحة، في وقت تستمر فيه تقارير عن حوادث أمنية تستهدف السفن، ما يبقي التساؤلات قائمة بشأن مستوى الأمان الفعلي في المضيق.
وبالتوازي مع التطورات البحرية، صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطها الاقتصادية على إيران، فيما تسعى طهران إلى الجمع بين تعزيز قدراتها الدفاعية وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة.
ونقلت وكالة "رويترز" عن الحكومة الإيرانية، السبت، تأكيدها أن الدبلوماسية والدفاع يمثلان مسارين متكاملين لحماية المصالح الوطنية والأمن ووحدة الأراضي، متعهدة بمواجهة العقوبات الأميركية وما وصفته بـ"المؤامرات الأميركية الإسرائيلية".
ووضعت الحكومة مكافحة التضخم وتوفير فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد تدريجياً على الدولار ضمن أولوياتها لمواجهة التداعيات الاقتصادية للأزمة.
وجاء الموقف بعد إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إعادة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة إلى مسارها ليست مستحيلة، لكنه اشترط أن تدرك واشنطن أن سياسة الضغط، من وجهة نظر طهران، لن تحقق النتائج المطلوبة.
ودعا عراقجي الولايات المتحدة إلى بناء الثقة والتعامل باحترام والاعتراف بحقوق إيران والوفاء بالتزاماتها، عقب محادثات في طهران مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.
وتتحرك قطر لإحياء المسار الدبلوماسي بين الجانبين، فيما شدد رئيس الوزراء القطري خلال زيارته طهران على أهمية استعادة حرية الملاحة عبر مضيق هرمز ضمن الجهود الرامية إلى خفض التصعيد.
وفي الداخل الإيراني، تتزامن الأزمة الخارجية مع ضغوط اقتصادية متزايدة، دفعت القيادة الإيرانية إلى التشديد على التماسك الداخلي وتجنب الخطاب الذي قد يعمق الانقسامات.
ونقلت وكالة "مهر" عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قوله إن الدعوة إلى منع أي تحرك يضر بالتماسك الاجتماعي تمثل استراتيجية أساسية للأمن القومي، وسط دعوات رسمية لمعالجة التضخم والبطالة وارتفاع الأسعار ودعم الاستثمار والإنتاج.
وفي المقابل، تنظر إدارة ترامب إلى التطورات في مضيق هرمز باعتبارها وسيلة إضافية للضغط على طهران، وسط اعتقاد لدى مسؤولين أميركيين بأن تراجع قدرة إيران على التحكم بحركة الملاحة قد يحسن موقف واشنطن في حال استئناف المفاوضات.
وبين الضغوط الأميركية والمساعي القطرية لإعادة فتح القنوات السياسية، تبدو الأزمة أمام معادلة شديدة التعقيد؛ إذ تتمسك طهران بأن العودة إلى المفاوضات تتطلب تغيير نهج الضغط وبناء الثقة، بينما تراهن واشنطن على العقوبات وتغيير ميزان القوة في هرمز للحصول على تنازلات أكبر، ما يجعل المضيق جزءاً أساسياً من الصراع على شروط أي تسوية محتملة.
أضف تعليقاً