بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

العراق ولبنان واجها التحديات المحلية نفسها.. والآن عليهما النهوض معاً أو السقوط للمرة الأخيرة

بقلم: محمد علي حريسي


إذا كان هناك بلدان في الشرق الأوسط متشابهان إلى حد كبير في مشكلاتهما ووعودهما، فهما بلا شك العراق ولبنان.

لقد عشت في كلا البلدين، وشاهدت عن قرب أوجه التشابه المذهلة بينهما في سوء الإدارة، على أقل تقدير: دولتان غنيتان بالتاريخ والثقافة، تتمتعان بموقع استراتيجي وإمكانات هائلة، لكنهما أهدرتا عقوداً بسبب سوء الإدارة والطائفية والتنافسات الجيوسياسية والولاءات الخارجية، والأهم من ذلك كله الفساد.

واليوم، بينما يرسم الشرق الأوسط مساراً جديداً في ظل توجه إقليمي نحو إعطاء الأولوية للازدهار للجميع بدلاً من المصالح الضيقة، يجد العراق ولبنان نفسيهما مرة أخرى في القارب نفسه.

لقد واجها، على مدى عقود، تحديات كبرى متشابهة إلى حد بعيد، ويبدو أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار بشأن تجاوز الولاءات الخارجية، ولا سيما لإيران، وإنهاء ظاهرة "الدولة داخل الدولة"، والتعامل بجدية مع الفساد.

لكن الأمر لم يعد في الحقيقة خياراً، أليس كذلك؟

لقد امتدت مشكلات العراق ولبنان إلى ما وراء حدودهما لفترة طويلة جداً، ولا يبدو أن هناك فرصة كبيرة لأن تقدم دول المنطقة أو غيرها على التعامل التجاري معهما أو الاستثمار فيهما أو تقديم دعم كبير لهما ما لم تتم معالجة تلك التحديات.

لقد غيّرت الحرب مع إيران الحسابات، ومن الواضح أن الولايات المتحدة أخذت زمام المبادرة في الضغط على الجانبين لمعالجة مشكلات مزمنة، في ظل هدف استراتيجي رئيسي يتمثل في الحد من نفوذ طهران وتفكيك الشبكات التي استخدمتها لإظهار قوتها في أنحاء الشرق الأوسط.

ومهما كانت دوافع واشنطن، فإن النتيجة أوجدت نافذة نادرة من الفرص أمام العراق ولبنان.

جعل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي نزع سلاح بعض أكثر الفصائل نفوذاً في البلاد، وهي جماعات ساعدت على ترسيخ الطائفية والفساد ونموذج "الدولة داخل الدولة"، هدفاً رئيسياً لحكومته. كما تحرك ضد الفساد، واستعاد ملايين الدولارات من الأصول المسروقة، ووضع سوابق قد تكون مهمة.

ولا تزال جدية هذين المسارين بحاجة إلى الاختبار، لكن هناك على الأقل تحركاً واضحاً.

وبالتوازي، أصبح لدى لبنان الآن رئيس وحكومة بنيا جزءاً كبيراً من أجندتهما على معالجة المشكلتين نفسيهما في جوهرهما. فقد تعهدا باستعادة احتكار الدولة للسلاح من خلال إنهاء وجود الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سلطتها. كما وعدا بمواجهة نظام مالي وسياسي فاسد أفلس الدولة ودمّر أحلام كثيرين.

وتجري هذه الجهود في كلا البلدين تحت ضغط أميركي شديد ورقابة أميركية متزايدة. وقد امتد التدخل الأميركي أحياناً إلى مجالات دقيقة للغاية من شؤون الحكم، بدءاً من الاهتمام بتولي ملف الكهرباء في لبنان، وصولاً إلى التدقيق في التعيينات العليا داخل مؤسسات الدولة الحساسة.

وبينما بدأ العراق في وضع المشتبه في تورطهم بالسرقة خلف القضبان وتحدي النفوذ الذي راكمته الفصائل المسلحة، بدأ لبنان يتحرك، وإن بحذر، في الاتجاه نفسه تقريباً.

في عام 1989، وقّع أمراء الحرب والسياسيون اللبنانيون اتفاقاً تاريخياً لإنهاء الحرب الأهلية وإقامة نظام قائم على الطائفية، ما أوجد نموذجاً للحكم يقسّم مقدرات البلاد وأعمالها بين الطوائف وأمراء الحرب.

وبعد ما يقرب من أربعة عقود، من الواضح أن هذا النموذج وضع البلاد على طريق قد يقود في نهاية المطاف إلى الانهيار. وقد أدرك معظم اللبنانيين ذلك منذ البداية. اختار بعضهم تجاهله لأنهم استفادوا من النظام، فيما تقبل آخرون الواقع، وغادر كثيرون البلاد ببساطة.

لقد خسر لبنان العديد من ألمع عقوله، كما خسر ثقة شعبه في أنهم سيعيشون يوماً ما في بلد مستقر تتوافر فيه الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وهي أزمة بقيت من دون حل عن قصد، بما يسمح لمقدمي الخدمات البديلة بمواصلة تحقيق المنافع لمن هم في السلطة. ويمكن التفكير هنا في المولدات الكهربائية التي يديرها، في كثير من الأحيان، أفراد مرتبطون بعناصر مسلحة.

كل شيء في لبنان أصبح مقسماً على أسس طائفية، بما يخدم النخبة الحاكمة وعائلاتها، وقد تجاوز الأمر كل الحدود. فمؤسسات التعليم العام والجيش والأجهزة الأمنية وغيرها من القطاعات المرتبطة بالحكومة تعمل جميعها وفق نظام المحاصصة الطائفية.

فعلى سبيل المثال، إذا احتاج جهاز أمني إلى تعيين 50 ضابطاً، تُقسّم المناصب أولاً بالتساوي بين الطوائف، ثم توزع على الأحزاب السياسية وكبار السياسيين. وحتى الزعماء الدينيون تكون لهم حصصهم.

وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، تبنى العراق نظام حكم مشابهاً. وكاد أن ينسخ النموذج اللبناني فقرةً بفقرة، واضعاً البلاد في أيدي سياسيين تصرفوا كزعماء أحزاب أكثر من كونهم رجال دولة.

وكانت النتيجة أن واحداً من أغنى بلدان العالم أصبح واحداً من أكثرها فساداً، بعدما أُهدرت مئات المليارات من الدولارات على مشاريع غامضة جرى الوعد بها، لكنها في كثير من الأحيان لم ترَ النور.

وترسخت الطائفية إلى درجة أن أشخاصاً قُتلوا لمجرد انتمائهم الطائفي، فيما أصبح الفساد أمراً طبيعياً إلى حد أن الوزراء وأعضاء البرلمان وكبار موظفي الدولة يتعرضون على نطاق واسع لاتهامات باستغلال مناصبهم لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال قبل الاختفاء، وغالباً ما يكونون محميين بجواز سفر أجنبي ثانٍ.

وبعد أن عشت في العراق ولبنان، ونما في داخلي حب عميق لكلا البلدين، من المؤلم رؤية معاناتهما من العديد من المشكلات نفسها. لكن من المشجع أيضاً، إن جاز لي القول، أن نراهما يتحركان تدريجياً نحو حل جذري، حتى وإن كان ذلك مدفوعاً بضغوط خارجية ولغايات أخرى.

ويتمثل الخطران الأكبر في أن ينزلق أحد البلدين، أو كلاهما، إلى حرب أهلية أخرى، أو أن يستغرق تفكيك الطائفية المتجذرة بعمق في مؤسسات الدولة ونسيجها أربعة عقود أخرى.

ومهما كانت التحولات والمنعطفات المقبلة، يبدو أن مصيري البلدين محكوم عليهما بالسير في مسار متشابه.


* صحيفة ذا ناشيونال

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً