بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
العالم

أوروبا تعيد حساباتها النووية.. روسيا وتراجع الدور الأميركي يفرضان معادلة جديدة

دخل النقاش بشأن مستقبل الردع النووي الأوروبي مرحلة جديدة، مع تحركات فرنسية - ألمانية وتوسع المشاورات بين عدد من العواصم الأوروبية بشأن تعزيز القدرات النووية للقارة، في ظل تصاعد التهديد الروسي وتزايد الشكوك بشأن مدى استمرارية الالتزام الأميركي بأمن أوروبا.

وبحسب تحليل نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة "RUSI"، وترجمته وكالة النبأ، فإن الزخم السياسي بشأن مستقبل الردع النووي الأوروبي أصبح حقيقياً، لكن القارة لا تزال تفتقر إلى تصور مشترك يحدد كيفية تحويل هذا الحراك إلى ترتيبات دفاعية قابلة للتطبيق.

وذكر المعهد أن قوات ألمانية ستشارك، للمرة الأولى، في تدريب نووي فرنسي خلال العام الجاري، في خطوة تبدو عسكرية وتقنية، لكنها تحمل أهمية سياسية كبيرة في سياق التحولات الجارية في السياسة الأمنية الأوروبية.

وتأتي الخطوة بعد طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مفهوم "الردع المتقدم"، الذي يتيح للدول الحليفة المساهمة بقواتها التقليدية في أنشطة مرتبطة بالردع النووي الفرنسي، فضلاً عن إمكانية نشر طائرات فرنسية ذات قدرة نووية بصورة مؤقتة على أراضي دول حليفة.

وأشار "RUSI" إلى أن باريس وبرلين أنشأتا مجموعة توجيه نووية فرنسية - ألمانية يشترك في رئاستها الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني، بهدف وضع إطار لتعميق التعاون بين البلدين في هذا المجال.

ولا تقتصر المشاورات على ألمانيا، إذ تخوض تسع دول أوروبية أخرى، من بينها بلجيكا وهولندا وبولندا وبريطانيا، محادثات منظمة مع فرنسا بشأن مقترح "الردع المتقدم"، وفق التحليل.

ويربط المعهد هذا التحول بعاملين رئيسيين، أولهما تصاعد الإشارات النووية الروسية وخفض موسكو العتبة المعلنة لاستخدام الأسلحة النووية، إلى جانب استخدامها صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية في الحرب ضد أوكرانيا.

أما العامل الثاني فيتمثل في توجه واشنطن إلى تقليص مساهماتها التقليدية في منظومة الردع الأوروبية. ورغم أن هذه التحركات منفصلة رسمياً عن الضمانات النووية الأميركية، يرى التحليل أنها تؤثر في مستوى الثقة الذي تستند إليه تلك الضمانات.

ويحذر "RUSI" من أن رؤية الكرملين تراجعاً في الالتزام الأميركي تجاه أمن أوروبا قد تشجعه على مواصلة اختبار الخطوط الحمراء لحلف شمال الأطلسي "الناتو" ومدى استعداد الحلف للرد في حال تجاوزها.

لكن الزخم الأوروبي لا يعني وجود اتفاق بشأن الطريق الذي ينبغي اتباعه، إذ يشير التحليل إلى اختلاف أولويات العواصم الأوروبية بشأن حجم التهديد والأدوات المطلوبة لمواجهته.

وتبرز بولندا بين الدول الأكثر اندفاعاً نحو نشر قدرات ردع متقدمة على أراضيها، في حين تنفتح ألمانيا على المقترحات الفرنسية، لكنها لا تزال متمسكة في الوقت نفسه بترتيبات المشاركة النووية داخل "الناتو" وبالدور الأميركي المركزي في الردع.

أما بريطانيا، فتُطرح إلى جانب فرنسا بوصفها إحدى القوتين النوويتين الأوروبيتين القادرتين على لعب دور أكبر في تعزيز ردع القارة، بالتوازي مع استمرار لندن في دعم منظومة المشاركة النووية التابعة لـ"الناتو".

وفي المقابل، تؤكد فرنسا أن توسيع التعاون مع حلفائها لن يغير مبدأ احتفاظ باريس بالسيطرة الكاملة على ترسانتها النووية وقرار استخدامها.

ويرى "RUSI" أن التحدي الحقيقي لم يعد في إطلاق المزيد من المبادرات السياسية، وإنما في تحديد الكيفية التي يمكن من خلالها دمج المقترح الفرنسي مع ترتيبات الردع القائمة داخل حلف "الناتو"، بحيث يعززها بدلاً من خلق منظومة موازية أو منافسة لها.

ويشير التحليل إلى أن النقاش الأوروبي يحتاج إلى الانتقال من مستوى التصريحات والمفاهيم الكبرى إلى خطوات عملية قصيرة ومتوسطة الأمد، تشمل تحديد أدوار الدول المشاركة وآليات التعاون العسكري والسياسي وطبيعة العلاقة بين القدرات النووية الفرنسية والبريطانية والمظلة النووية الأميركية.

وبذلك، تقف أوروبا أمام معادلة أمنية جديدة: الحاجة إلى تعزيز قدرتها الذاتية على الردع من دون تقويض "الناتو" أو الاستغناء سريعاً عن الضمانات الأميركية.

ويخلص تحليل "RUSI" إلى أن أوروبا قطعت خطوة مهمة بمجرد وضع مستقبل الردع النووي في صدارة أجندتها الأمنية، إلا أن الحديث وحده لا يكفي، إذ لا تزال القارة بحاجة إلى خطة واضحة ومشتركة لتحويل الزخم السياسي الحالي إلى قدرة ردع موثوقة أمام التهديدات المتغيرة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً