جمانة ممتاز*
بعد سنوات طويلة من محاولات ترسيخ دولة القانون وتعزيز الانتماء إلى وطنٍ جامع، تبرز مفارقةٌ غريبة في خطاب بعض دعاة الدولة أنفسهم؛ إذ استحدثوا مصطلح "وطنچي" للسخرية من فكرة الوطنية والانتماء، ليصبح الوطن -الذي يفترض أنه أساس الدولة والمظلة التي تحمي الجميع- محشوراً في زاوية التبرير، في وقتٍ تُمنح فيه المكونات الأخرى -كبيرةً كانت أو صغيرة- حق الاعتزاز بهوياتها والدفاع عن شرعية وجودها، ليظل الوطن وحده "الفقيد" في هذا المشهد.
إن لاحقة "چي" -بصرف النظر عن أصولها التاريخية في اللهجة العراقية- باتت تُستخدم في سياقٍ انتقاصي؛ فهي تُلحق عادةً بالمهن أو الصفات (مثل: مصلحچي، نسوانچي، چايچي). ومن هنا، رُكِّبت هذه اللاحقة مع كلمة "وطن" لتعطي انطباعاً بأن من يتحدث عن الوطن يمتهن "الوطنية" لتحقيق مصالح شخصية، واصمةً إياه بالادعاء والكذب.
لقد توقفتُ عند هذا المصطلح طويلاً، لأن أثره الاجتماعي والأمني خطير؛ فهو ينسف مفهوم الوطنية الذي ينبغي أن يكون رابطةً وجدانيةً فطرية، والمواطنة التي تمثل الصيغة القانونية لحقوق الفرد وواجباته. إن وضع كلمة "وطنچي" في مقابل مفاهيم الوطن والوطنية والمواطنة يجعلها مفردةً شاذة عن سياقها القيمي؛ إذ إن الطبيعي أن يكون الإنسان محباً لبلده بالفطرة، بينما تحاول هذه الكلمة "المدسوسة" قلب هذا الشعور النبيل إلى ادعاءٍ يتطلب إثباتاتٍ وأدلة.
تكمن معضلة المصطلحات في أنها لا تغير أسماء الأشياء فحسب، بل تُغيّر بمرور الوقت والتكرار مكانتها في الوعي والإدراك. لذا، فإن الإكثار من تداول كلمة «وطنچي» سيزيد من حساسية الناس تجاه القضايا الوطنية. لا اعتراض لدي على السخرية ممن يتاجرون بالوطن، بل ربما هي ضرورة؛ فالوطنية -كالدين والأخلاق- كلما ارتفعت قيمتها زاد الطامعون في تحويلها إلى رأس مال سياسي. تكمن المشكلة الحقيقية في التلاعب بدلالة الكلمة؛ إذ يدفع ذلك الناس -تحت ذريعة الواقعية- إلى الانطلاق من هوياتهم الفرعية عند الحديث، تجنباً للسخرية، وهذا يهدد أمن الدولة التي ستجد نفسها وحيدة في الدفاع عن شرعيتها، أو بدعمٍ صامت؛ إذ سيصير كلُّ مَن يتحدث عن السيادة، أو يقلق على الهوية الوطنية، أو يرفض تحويل البلاد إلى ساحات نفوذ وحروب بالوكالة، أو يصطف مع الدولة، «وطنچياً». إن مَن استحدث هذا المصطلح داهية؛ فهو يُستخدم سلاحاً هجومياً لتفتيت المنطق الذي تقوم عليه المصالح الوطنية، وسلاحاً دفاعياً لجماعات تبرر تخندقها داخل هويات فرعية على حساب الوطن؛ فمشروع الوطن الكبير لا يخدم مصالحها، بينما تفتيته هو السبيل لسيادة الهويات الضيقة على أنقاض وطنٍ جامع.
وهنا لا تعود كلمة «وطنچي» مجرد نكتة لغوية؛ فالمفاهيم لا تُهدم عادةً بالمطالبة الصريحة بالتخلي عنها، فتلك طريقة بدائية تُولد مقاومة عكسية. بل يُهدم المفهوم بطريقة أنعم عبر استهدافه معنوياً حتى يصبح الدفاع عنه مُحرجاً. تعمل تلك الجماعات، التي تتخذ من الوطن نداً لها، على تغيير شحنة الكلمة، بقرنها بالسذاجة والتصنع والانتهازية، ورسم صورة نمطية مضحكة لها، حتى يجد حاملها نفسه مضطراً ف إن المهتمين باللغة مثلي يتوقفون طويلاً عند المفردات المصنّعة التي تُقحم في الصراعات؛ فلكل صراع سياسي شقّ مادي ظاهر، وآخر رمزي يتلاعب بالمعاني والإدراك والهوية. يسعى الخصم دائماً إلى إضعاف فكر الطرف الآخر لسحق مؤيديه؛ إذ يصعب إماتة الأفكار وإن قُتل حاملوها، لذا يلجأ الخصم إلى إفراغ المفاهيم من هيبتها وربطها بدلالات سلبية. وحتى على المستوى الشخصي، لا يحتاج المرء لقتل خصمه ليغيبه، بل يكفيه اغتيال سمعته ليغتال حضوره.
تزداد هذه المشكلة حساسية في العراق؛ فالهوية الوطنية لا تعمل في فضاء فارغ، بل تنافسها هويات أقدم وأشد تنظيماً، كالطائفية والقومية والعشيرة والحزب والمنطقة، فضلاً عن ولاءات بعض الجهات السياسية لمحاور خارجية. لذا، حين يُستهدف مفهوم الهوية الوطنية اليوم، فإنه لا يُعتدى على هوية أساسية فحسب، بل تُدمر هوية مُنهكة أصلاً؛ وكلما تراجعت هذه الهوية، خلفت فراغاً تتمدد فيه الهويات الأكثر جاهزية. هكذا تنكمش مساحة "نحن العراقيين" لصالح "نحن الجماعة" -طائفية كانت أو حزبية-؛ فيصبح تقسيم الوطن ليس بالضرورة جغرافياً، بل يكفي في هذه المرحلة أن يعجز أبناؤه عن تخيّل أنفسهم جماعة واحدة.ي كل مرة لإثبات أنه ليس ذلك النموذج المثير للسخرية، ومع الوقت، يتكفل المجتمع بالباقي.
*المدى
ع ع
أضف تعليقاً