رأى تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية أن النظام الإقليمي الذي قادته الولايات المتحدة في الشرق الأوسط منذ حرب الخليج عام 1991 يواجه مرحلة قد تقود إلى نهايته، في ظل التداعيات السياسية والأمنية للحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران وتراجع قدرة واشنطن على إدارة توازنات المنطقة.
وبحسب المقال الذي كتبه مارك لينش تحت عنوان "نهاية الشرق الأوسط الأميركي"، فإن الحرب كشفت حدود القوة الأميركية وأثارت تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها والحفاظ على النظام الإقليمي الذي بنته خلال العقود الماضية.
ويرى لينش أن عجز واشنطن عن توفير الحماية الكافية لحلفائها الخليجيين أضعف المبررات الاستراتيجية لوجود قواعدها العسكرية في المنطقة، في حين أدت السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين إلى تقويض الدور الأميركي في مسار التطبيع العربي الإسرائيلي.
واعتبر الكاتب أن مهندسي الحرب مع إيران بالغوا في تقدير قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية، وفي المقابل قللوا من قدرة الخصوم على التكيف مع الضغوط والعمليات العسكرية، معتبراً أن الحرب كشفت ما وصفه بـ"الخلل المتأصل" في استراتيجية واشنطن تجاه الشرق الأوسط.
وقارن لينش التحولات الراهنة بأزمة السويس عام 1956، التي مثّلت نقطة تحول رئيسة في تراجع النفوذين البريطاني والفرنسي في الشرق الأوسط، مشيراً إلى وجود أوجه تشابه بين الظروف الحالية والمحاولة البريطانية الفرنسية الإسرائيلية للسيطرة على قناة السويس آنذاك.
ويتوقع المقال أن تشهد المنطقة مزيداً من الاضطرابات والخلافات خلال السنوات المقبلة، في ظل انهيار عدد من الترتيبات التي استند إليها النظام الإقليمي السابق، معتبراً أن إسرائيل وإيران قد تجد كل منهما مصلحة في استمرار حالة عدم الاستقرار والصراع.
وبحسب لينش، أسهمت عملية السلام العربية الإسرائيلية التي قادتها الولايات المتحدة خلال العقود الماضية في بلورة منطقة منقسمة عملياً بين كتلة تضم حلفاء واشنطن، وأخرى تتمحور حول إيران وحلفائها.
لكن الكاتب يرى أن تراجع النظام القديم لا يعني بالضرورة نهاية النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، بل قد يمنح واشنطن فرصة لإعادة صياغة سياستها وبناء نظام إقليمي مختلف إذا أعادت النظر في الأدوات التي اعتمدتها طوال العقود الماضية.
ويشير المقال إلى أن النظام الذي رعته الولايات المتحدة حقق مكاسب استراتيجية، من بينها توفير قدر من الاستقرار وحماية مصالح أميركية أساسية، لكنه يرى في المقابل أنه اعتمد على حماية أنظمة عربية غير ديمقراطية، وساهم في تكريس أنماط من القمع والفساد والمراقبة وتقييد المعارضة.
ويدعو لينش واشنطن إلى التخلي عن التعامل مع التدخل العسكري بوصفه خياراً أول في مواجهة الأزمات، وعدم العودة إلى سياسة التوسع في بناء القواعد العسكرية، مقابل تعزيز الدفاع الصاروخي وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع شركائها.
ويذهب المقال أبعد من ذلك بالدعوة إلى إدماج إيران في منظومة أمنية إقليمية جديدة باعتبارها طرفاً فاعلاً، بدلاً من الاستمرار في استراتيجية الاحتواء العسكري التي هيمنت على السياسة الأميركية تجاه طهران.
كما يرى أن بناء نظام جديد يستدعي إعادة تقييم العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، واستخدام النفوذ الأميركي للضغط باتجاه احترام حقوق الإنسان ووقف التوسع في الضفة الغربية وإنهاء ما يصفه الكاتب بالتدخلات الإسرائيلية المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.
ويخلص لينش إلى أن واشنطن أمام خيار استراتيجي بين محاولة إعادة إنتاج النظام الإقليمي الذي تشكل بعد حرب الخليج وبين استثمار الأزمة الحالية لبناء ترتيبات مختلفة، داعياً الولايات المتحدة إلى تشجيع الإصلاح السياسي في المنطقة وعدم جعل استقرار علاقاتها مع الحكومات بديلاً عن الاستقرار السياسي والاجتماعي طويل الأمد.
وبحسب رؤية المقال، فإن نهاية "الشرق الأوسط الأميركي" لا تعني بالضرورة انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، بقدر ما تشير إلى انتهاء نموذج من الهيمنة وإدارة التحالفات استمر أكثر من ثلاثة عقود، وبدء مرحلة ستحدد فيها قدرة واشنطن على مراجعة سياساتها حجم نفوذها في النظام الإقليمي المقبل.
أضف تعليقاً