بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

اقتصاديات الحرب تتغير.. كيف تعيد المسيّرات والذكاء الاصطناعي رسم ميزان القوى؟

هاملت يوسف*

 قد لا يكون الدرس الأهم الذي يخرج به العالم من الصراع مع إيران متعلقاً بإيران وحدها، بل بالتغيرات التي طرأت على اقتصاديات الحرب، وما يحدث عندما تبدأ الأنظمة ذاتية التشغيل والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا التجارية والإنتاج منخفض التكلفة واسع النطاق في تقويض مزايا عسكرية كانت، حتى وقت قريب، حكراً إلى حد كبير على القوى الكبرى.

 وبصورة متزايدة، تبدو الحروب الحديثة وكأنها نسخة جديدة من قصة داود وجالوت لكن داود في عصرنا لم يعد يحمل مقلاعاً تقليدياً؛ بل يمتلك طائرات مسيّرة وبرمجيات ومستشعرات تجارية ومعلومات استخبارية مفتوحة المصدر وتقنيات قابلة للتطوير السريع. أما جالوت فلا يزال يحتفظ بتفوق هائل في الحجم والقوة النارية والموارد، لكن المقلاع أصبح أكثر تطوراً وأقل كلفة بكثير.

 على مدى معظم العصر الحديث، ارتبط امتلاك القوة العسكرية المتقدمة بالدول القادرة على إنفاق مليارات الدولارات على الطائرات والسفن الحربية والصواريخ وأجهزة الاستشعار ومنظومات القيادة والسيطرة المعقدة. وهذه الميزة لم تختفِ؛ فحاملات الطائرات والغواصات والمقاتلات والقاذفات ومنظومات الدفاع الصاروخي المتكاملة لا تزال أدوات أساسية للقوة الوطنية.

 لكن المعادلة الاقتصادية التي تقوم عليها هذه القدرات بدأت تتغير. فالأنظمة ذاتية التشغيل، والذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار منخفضة التكلفة، والاتصالات التجارية، وتقنيات التصنيع المتقدمة والمكونات المتاحة على نطاق واسع، باتت تخفض كلفة إحداث تأثير عسكري مؤثر.

أوكرانيا.. أول اختبار واسع النطاق

 قدمت الحرب في أوكرانيا أول نموذج واسع النطاق لهذا التحول. فقد تمكنت أوكرانيا، رغم كونها الطرف الأضعف مادياً، من استخدام المسيّرات والبرمجيات والتكنولوجيا التجارية ومصادر المعلومات المفتوحة والابتكار السريع في ساحة المعركة لفرض تكاليف كبيرة على روسيا، وهي قوة تفوقها في العدد والموارد.

 لم تُلغِ أوكرانيا تفوق روسيا في القوى البشرية أو الصواريخ أو الطائرات أو القدرة الصناعية، لكنها أثبتت أن التكنولوجيا قادرة على تقليص الفجوة بين طرفين غير متكافئين، من دون الحاجة إلى مواجهة المنظومات الروسية منظومةً بمنظومة.

 وتقدم إيران الآن نموذجاً آخر للمشكلة ذاتها. فطهران لا تستطيع منافسة الولايات المتحدة حاملة طائرات بحاملة طائرات، أو مقاتلة بمقاتلة، أو بطارية دفاع صاروخي بأخرى، لكنها لا تحتاج إلى ذلك أصلاً.

 فعلى مدى عقود، استثمرت إيران في الصواريخ والطائرات المسيّرة والوكلاء والقدرات السيبرانية والمضايقات البحرية وحرب المعلومات والاستفادة من موقعها الجغرافي، وهي أدوات تمنح قوة أضعف مادياً القدرة على فرض تكاليف غير متناسبة على خصم أقوى.

 وهنا يكمن جوهر الحرب غير المتكافئة فالمسيّرة منخفضة التكلفة لا تحتاج إلى التفوق على مقاتلة من طراز إف-35، والسفينة السطحية غير المأهولة الصغيرة لا تحتاج إلى هزيمة مدمرة في مواجهة بحرية تقليدية؛ يكفي أن تخلق مستوى من المخاطر يجبر الطرف المدافع على الرد.

 وعندما يستطيع أحد الأطراف إنفاق آلاف أو عشرات آلاف الدولارات بصورة متكررة لإجبار خصمه على إنفاق مئات الآلاف أو ملايين الدولارات، فإن فارق التكلفة يبدأ في التحول إلى عامل استراتيجي بالغ الأهمية.

لا يمكن مواجهة كل تهديد بسلاح باهظ الثمن

 لا تستطيع الولايات المتحدة بناء استراتيجية طويلة الأمد تقوم على مواجهة كل مسيّرة منخفضة التكلفة بصاروخ اعتراضي تبلغ قيمته ملايين الدولارات، أو التعامل مع كل تهديد بحري عبر نشر سفينة حربية جديدة تكلف مليارات الدولارات.

 وهذا لا يعني أن المنصات العسكرية المتقدمة فقدت قيمتها، بل إن الاعتماد عليها لحل كل مشكلة أمنية وعسكرية قد يصبح غير مستدام اقتصادياً.

 لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت المسيّرة قادرة على استبدال المقاتلة، أو ما إذا كانت السفينة ذاتية التشغيل قادرة على استبدال المدمرة؛ فهي لا تستطيع ذلك. السؤال الأكثر أهمية هو: كم عدد المهام التي تتركز حالياً على منصات مأهولة وباهظة الثمن ويمكن نقلها إلى أنظمة ذاتية التشغيل أقل كلفة؟

 وتشمل هذه المهام المراقبة والاستطلاع ونقل الاتصالات واكتشاف الأهداف والاستشعار الإلكتروني وكشف الألغام والخدمات اللوجستية والحضور البحري المستمر والخداع وحمل الأسلحة بصورة موزعة.

 فالتغيير التكنولوجي لا يبدأ عادة باستبدال النظام القائم بالكامل، بل يبدأ بتفكيك وظائفه ونقل بعضها إلى أنظمة جديدة.

 بدلاً من التساؤل عما إذا كانت سفينة ذاتية التشغيل تستطيع أن تحل محل مدمرة، ينبغي للمخططين العسكريين أن يفكروا في تأثير تشغيل عشرات السفن ذاتية التشغيل حول تلك المدمرة، بحيث توسع نطاق الاستشعار، وتعقد مهمة استهدافها، وتتحمل المخاطر، وتوفر حضوراً مستمراً، وتتيح للسفينة المأهولة العمل بعيداً عن مصادر الخطر.

 ستظل المدمرة مهمة، لكن دورها سيتغير.

 يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع هذا التحول، لأنه يغير اقتصاديات القوة البشرية في الجيوش.

 فالقوة العسكرية التقليدية تحتاج إلى أعداد هائلة من الأفراد. وكل طائرة أو سفينة أو مركبة إضافية تتطلب عادة أطقم تشغيل وتدريباً وصيانة ودعماً لوجستياً. أما البرمجيات فتتمتع بقابلية مختلفة للتوسع.

 ومع تطور الأنظمة ذاتية التشغيل وقدرتها على الملاحة والاستشعار وتصنيف الأهداف والتنسيق فيما بينها، قد يصبح بإمكان عدد أقل من المشغلين الإشراف على أعداد أكبر بكثير من المنصات.

 ولا تقتصر القيمة الاستراتيجية هنا على إبعاد الطيار أو الجندي عن الخطر، بل تتعلق بإعادة تشكيل العلاقة بين القوى البشرية والكتلة والقدرة العسكرية.

 وأظهرت أوكرانيا أيضاً مدى سرعة تطور هذه الدورة: يحدد المشغلون مشكلة في ساحة المعركة، فيعدل المهندسون الأجهزة أو البرمجيات، ثم يطور الخصم وسيلة مضادة، قبل أن يجري تعديل النظام مرة أخرى.

 يمكن أن تستغرق هذه الدورة أسابيع، في حين تعمل عمليات الاستحواذ والتسليح التقليدية غالباً وفق جداول زمنية تمتد لسنوات. وأصبح هذا الفارق المتزايد بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء عمليات التسليح التقليدية يمثل نقطة ضعف للأمن القومي.

هرمز.. عندما تصبح الجغرافيا سلاحاً اقتصادياً

 توضح إيران أيضاً أن اقتصاديات الحرب الحديثة تتجاوز بكثير تكلفة الصاروخ أو المسيّرة نفسها.

 خذ مضيق هرمز مثالاً. لا تحتاج إيران إلى هزيمة البحرية الأميركية في مواجهة بحرية تقليدية حتى تخلق أزمة استراتيجية؛ يكفي أن ترفع مستوى عدم اليقين حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بما يؤثر في حركة السفن وتكاليف التأمين وأسواق الطاقة وانتشار القوات البحرية والحسابات السياسية على بعد آلاف الأميال من ساحة القتال.

 فالمسيّرة لا تحتاج بالضرورة إلى إغراق ناقلة نفط حتى تحقق هدفاً استراتيجياً. فإذا أجبرت السفن التجارية على تغيير مساراتها، ورفعت أقساط التأمين، وأدت إلى ارتفاع أسعار الطاقة، واستدعت نشر مزيد من السفن لحماية الملاحة، وولدت ضغوطاً سياسية في واشنطن أو لدى العواصم الحليفة، فإن مردودها الاستراتيجي قد يتجاوز بكثير تكلفة إنتاجها.

 ومن هنا، فإن مضيق هرمز ليس مجرد موقع جغرافي، بل أداة للنفوذ الاقتصادي.

 وينطبق المنطق ذاته على باب المندب والبحر الأحمر وغيرها من الممرات البحرية الحيوية. فحماية هذه المناطق حصراً بالسفن والطائرات المأهولة مكلفة للغاية، بينما توفر الأنظمة البحرية ذاتية التشغيل نموذجاً مختلفاً من خلال المراقبة المستمرة والاستشعار الموزع والحرب الإلكترونية ونقل الاتصالات والخدمات اللوجستية، وصولاً إلى توفير قدرات دفاعية وهجومية إضافية مستقبلاً، من دون العبء البشري الذي تفرضه السفن الحربية التقليدية.

 أسطول المستقبل سيكون مزيجاً من المأهول وغير المأهول

 من المرجح أن يكون الأسطول العسكري في المستقبل **هجيناً**. وستظل الغواصات والمدمرات وحاملات الطائرات والطائرات المتقدمة عناصر أساسية، لكنها ستعمل بصورة متزايدة ضمن شبكات أوسع من الأنظمة ذاتية التشغيل.

 وينطبق الأمر نفسه على القاعدة الصناعية الدفاعية. فالولايات المتحدة لن تستبدل شركات الدفاع الكبرى بالشركات الناشئة، ولا ينبغي لها ذلك. فالخبرات الهندسية وقدرات التصنيع ودمج الأنظمة اللازمة لبناء الغواصات والقاذفات والأسلحة المعقدة لا غنى عنها.

 فالحرب الحديثة تكافئ بصورة متزايدة منظومة تجمع شركات الدفاع الراسخة مع شركات التكنولوجيا الناشئة، والمصنعين التجاريين، وشركات البرمجيات، والجامعات، والمختبرات الحكومية ورؤوس الأموال الخاصة.

 ولم يعد التحدي الصناعي يتمثل فقط في تصنيع السلاح الأكثر تطوراً، بل في إنتاج أسلحة متقدمة بالتزامن مع تصنيع أعداد كافية من الأنظمة الأقل كلفة، بما يحقق الكتلة المطلوبة، ويعوض الخسائر، ويسمح بالتكيف مع تطورات الخصم بوتيرة أسرع.

 فالكمية ليست بديلاً عن الجودة، لكن الجودة وحدها لا تكفي إذا كان الخصم قادراً على إنتاج التهديدات بسرعة وبكلفة أقل من قدرة المدافع على التصدي لها.

 والمنظومة التي تحقق أداءً استثنائياً لكنها لا تستطيع إنتاج أعداد كافية منها أو تعويض خسائرها خلال حرب طويلة، قد تتحول هي نفسها إلى نقطة ضعف استراتيجية.

 حرب المعلومات.. انهيار منحنى التكلفة

 هناك منحنى آخر ينهار بالتوازي مع تكلفة المعدات، وهو منحنى المعلومات.

 فالذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي يخفضان بصورة هائلة تكلفة خوض الحرب المعلوماتية والنفسية. وقد تتمكن مسيّرة منخفضة التكلفة من إجبار جيش متطور على إنفاق مبالغ ضخمة للتصدي لها، بينما يستطيع مقطع فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي أو صورة معدلة أو حملة منظمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إحداث تأثير سياسي واسع بتكلفة هامشية شبه معدومة.

 وتدرك إيران وروسيا والصين أن هذه المجالات تعزز بعضها بعضاً.

 قد تتعرض ناقلة لهجوم، فترتفع أسعار التأمين، وتتفاعل أسواق الطاقة، وتنتشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم تضخم روايات مدعومة بالذكاء الاصطناعي حالة الخوف والارتباك.

 وبذلك أصبحت الحرب المادية والاقتصادية والمعلوماتية تعمل بصورة متزايدة باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة.

 ولهذا، فإن اعتراض الصاروخ لا يعني بالضرورة أن الهجوم فشل استراتيجياً؛ فقد يكون الصاروخ قد حقق أثراً مهماً إذا أجبر الخصم على إنفاق ملايين الدولارات على الدفاع، أو تسبب في اضطراب حركة التجارة، أو هيمن على التغطية الإعلامية، أو خلق انطباعاً بأن الخصم هو من يتحكم بإيقاع التصعيد.

 المعركة المقبلة ستكون على اقتصاد الحرب

 لم يعد من الممكن قياس الحرب الحديثة حصراً بعدد الأهداف التي دُمرت أو الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها. فقد تكون التكاليف عسكرية، لكنها قد تكون أيضاً اقتصادية وسياسية ونفسية.

 ولا تزال الولايات المتحدة وحلفاؤها يمتلكون تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً هائلاً، لكن الخطر الأكبر يكمن في الجمود الاقتصادي والتشغيلي.

 ولا يمكن لواشنطن وحلفائها السماح لخصومهم بأن يفرضوا بصورة مستمرة معادلات يصبح فيها السلاح الرخيص قادراً على استنزاف الدفاعات الباهظة، وتؤدي الهجمات المحدودة إلى اضطرابات تجارية كبيرة، بينما تستغرق الاستجابة للتكنولوجيا المتغيرة سنوات طويلة.

 ولا يكمن الحل في التخلي عن الأسلحة والمنصات المتطورة، بل في بناء منظومة قوة أوسع تقوم على الكتلة الذاتية التشغيل، وأجهزة الاستشعار الموزعة، والقيادة والسيطرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتصنيع المرن والقادر على الصمود، والاستخبارات التجارية، والصواريخ الاعتراضية منخفضة التكلفة، والحمولات القابلة للتعديل، وأنظمة قادرة على التطور بسرعة تقترب من سرعة البرمجيات.

من ينتصر في حرب المستقبل؟

 لن تحدد الحرب الباردة الثانية وحدها الدولة التي تصنع أفضل مقاتلة أو غواصة أو صاروخ أو نظام ذاتي التشغيل، بل ستحددها أيضاً قدرة كل طرف على إنتاج القدرات العسكرية بسرعة أكبر، وتوزيعها على نطاق أوسع، واستبدالها بتكلفة أقل، وتطويرها بوتيرة أسرع، وفرض تكاليف أكبر على الخصم مقارنة بما يتحمله هو نفسه.

 لقد أثبتت أوكرانيا كيف يستطيع داود المعاصر استخدام التكنولوجيا لمواجهة جالوت أكبر منه بكثير في القوة التقليدية.

 وتظهر إيران بدورها كيف يمكن لدولة أضعف مادياً أن تستخدم التكنولوجيا والجغرافيا والحرب غير النظامية لفرض تكاليف غير متناسبة على قوة عظمى.

 لا يزال جالوت مهماً، لكن ساحة المعركة تتغير بطريقة تمنح داود قدرات أكبر مما كانت متاحة له في السابق. وقد لا يكون الطرف الذي ينتصر هو من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل من يستطيع الاستمرار في التكيف والإنتاج والقتال بعد أن يكتشف خصمه أنه لم يعد قادراً على مواصلة ذلك.

* ذا سايفر بريف

س ع

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً