بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل صحة وعلوم فيديو العالم العربي ترجمة النبأ العراق الشرق الاوسط العالم تقارير علوم وتكنولوجيا اقتصاد
ترجمة النبأ

عالم الأزمات المتلاحقة.. لماذا تحتاج الدول إلى صناديق للاستقرار؟

يمرّ العالم المعاصر بمرحلة تُعدّ من أشدّ المراحل تعقيدًا واضطرابًا في تاريخه الحديث، في ظلّ تصاعدٍ غير مسبوق في حدّة الأزمات الجيوسياسية والصحية والبيئية، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيلٍ لعدد من الترتيبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اعتمدت عليها الدول لعقود طويلة في تنظيم شؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية.

وخلال العقود الماضية، انصبت الجهود العالمية على تعزيز النمو الاقتصادي وتحقيق الرفاه وتحسين مستويات المعيشة، لكن جاءت سلسلة الأزمات المتلاحقة لتقوض جانبًا مهمًا من هذه المكتسبات، وتفرض تحديات جديدة على مسارات التنمية والاستقرار. فلم تقتصر آثار هذه الأزمات على إبطاء جهود التنمية، بل امتدت أيضًا لتُلحق أضرارًا كبيرة بالأفراد والأسر والشركات والحكومات على حد سواء، مع تفاوت واضح في حجم التأثر بين الدول وداخل الدولة الواحدة. وقد كانت الدول النامية والأقل دخلًا الأكثر تعرضًا لهذه التداعيات، نظرًا إلى محدودية قدراتها على التكيف واحتواء الصدمات. ومع مرور الوقت، لم تعد هذه الأزمات تُحدث آثارًا منفصلة أو مستقلة، بل أصبحت تتشابك وتتفاعل عبر مجموعة من القنوات المترابطة، وفي مقدمتها الأمن الغذائي وأمن الطاقة والأوضاع المالية والتمويلية. فارتفاع أسعار الغذاء يؤدي إلى ضغوط تضخمية متزايدة، ثم إن اضطرابات أسواق الطاقة تنعكس على تكاليف الإنتاج والنقل، في حين تسهم الأوضاع المالية الأكثر تشددًا في إضعاف قدرة الحكومات والقطاع الخاص والأفراد على مواجهة هذه التحديات[1]. ونتيجة لذلك، باتت هذه المحاور تغذي بعضها، مكوّنةً حلقات متداخلة من الأزمات تزيد من تعقيد المشهد العالمي وتضاعف من وطأة آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

وضعت هذه الظروف والتحولات المتسارعة العديد من دول العالم أمام مسؤوليات جديدة ومتزايدة التعقيد، وجعلت قدرتها على مواجهة الأزمات والتحديات المقبلة، في ظل تصاعد حالة عدم اليقين العالمية، موضع تساؤل حقيقي. ويعود ذلك إلى عاملين رئيسَين؛ أولهما تتابع الأزمات وتشابك تداعياتها واتساع نطاق تأثيرها، وثانيهما ما خلفته الأزمات السابقة من استنزاف للموارد المالية والمؤسسية وللقدرات الحكومية في العديد من الدول. ويزداد هذا التحدي بالنظر إلى الآثار الممتدة التي خلفتها تلك الأزمات في مختلف المكونات الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك أسواق العمل، ومستويات الدخل، والأمن الغذائي، والاستقرار المالي، وأنظمة الحماية الاجتماعية. ونتيجة لذلك، أصبحت الحكومات مطالبة بالتعامل مع تداعيات الأزمات الراهنة، وبناء قدرات مؤسسية أكثر مرونة واستعدادًا لمواجهة صدمات مستقبلية تتسم بدرجة أعلى من التعقيد وعدم اليقين.

أولًا: نحو مقاربة استباقية: صناديق المخاطر أداةً للتحوط

لعل إدراك صعوبة الأوضاع المالية لغالبية دول العالم، وتعمّق مديونياتها، وضيق حيزها المالي، وتراجع قدرتها على التدخل لاحتواء التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للمخاطر والتحديات التي تتزايد احتمالات حدوثها في المستقبل القريب، يدفع إلى التفكير في استحداث منظومة مؤسسية ذات موارد مالية مستقلة وذاتية، قادرة على تصميم مثل هذه التدخلات وتنفيذها.

ليست فكرة صناديق الاستقرار مستحدثة، غير أن تبنّيها ظل محدودًا على مستوى دول العالم، فضلًا عن أن أغلبها أُنشئ لأغراض محددة، يتمحور أبرزها حول دعم استقرار الموازنات العامة في الفترات التي تتعرض فيها الإيرادات العامة للتراجع. ففي عدد محدود من الدول النفطية، تُستخدم هذه الصناديق لتعويض تراجع الإيرادات الناتج من انخفاض أسعار النفط، كما هو الحال في فنزويلا. وقد تؤدي الصناديق دورًا في رفد الموازنات العامة بإيرادات دورية ناجمة عن استثمار الثروات الوطنية، كما في التجربة النرويجية.

توجد أيضًا صناديق تتبنّى أدوارًا أوسع، تجمع بين تحقيق الاستقرار المالي والتدخل المباشر في مواجهة الصدمات، بما في ذلك الكوارث الطبيعية أو فترات التباطؤ الاقتصادي، مثل "صندوق الاستقرار المالي" في بيرو، و"صندوق الادخار والاستقرار" في بنما، الذي يضطلع بدور داعم للنمو خلال مراحل الانكماش. وقد أثبتت هذه الصناديق، على اختلاف نماذجها، أهميتها بوصفها أدوات فعّالة في احتواء جانب من التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا المستجدّ (كوفيد-19)، من خلال توفير موارد مالية سريعة ومرنة لدعم الاستجابة الحكومية.

وربما تمتلك هذه الصناديق قدرةً أكبر على التعامل مع الأزمات والصدمات ذات التأثير المحدود أو الأقل تشعّبًا؛ إذ تتطلب هذه الحالات، في العادة، موارد مالية محددة يمكن تعبئتها لاحتواء تداعياتها ومعالجتها. وقد تتحسّن قدرة هذه الصناديق على الاستجابة مع مرور الوقت وتراكم أصولها، خصوصًا إذا كانت التدخلات المطلوبة منها دورية ومحدودة النطاق.

ثانيًا: أين تقف الدول العربية من مفهوم التحوّط؟

لم تطوّر الدول العربية، حتى اليوم، منظومةً متكاملةً ومؤسسيةً للتعامل مع الصدمات. فالصناديق السيادية في المنطقة ترتبط، في الغالب، بالدول المصدّرة للنفط، وتؤدي أساسًا وظائف ادّخارية واستثمارية طويلة الأجل، من دون أن تُناط بها أدوار واضحة ومباشرة للتدخل ضمن سياسات استثنائية لمواجهة الأزمات التي تتطلب تعبئة موارد مالية سريعة ومرنة. ولعل الاستثناء الوحيد يتمثل في "صندوق تنظيم الإيرادات" في الجزائر Revenue Regulation Fund، الذي أُنشئ لاستيعاب الفوائض المالية الناتجة من ارتفاع أسعار الصادرات الهيدروكربونية، واستخدامها عند تراجعها لدعم الموازنة العامة. إلا أن هذا الصندوق استُنزف عمليًا خلال السنوات الماضية، وبات اليوم خاليًا من الفوائض.

وتعمل صناديق التقاعد والتأمينات الاجتماعية في عدد من الدول العربية بوصفها أوعيةً ادّخارية تُراكم فيها الفوائض التأمينية الناتجة من الميزة الديموغرافية لهذه الأنظمة، وتُستثمر من أجل الوفاء بالالتزامات التقاعدية المستقبلية. غير أن هذه الصناديق، بحكم أطرها التشريعية، لا تضطلع بأدوار تتجاوز نطاقها التأميني، ولا تُستخدم باعتبارها أدواتٍ للتدخل في مواجهة الأزمات الاقتصادية أو إدارة المخاطر العامة.

خلال جائحة كورونا، بادرت بعض هذه الأنظمة إلى استحداث برامج وتدابير استثنائية هدفت إلى حماية المشتركين فيها من تداعيات الجائحة، ودعم استدامة المؤسسات والشركات المسجّلة تحت مظلتها، إلى جانب تدخلات أوسع نُفِّذت عبر أنظمة الحماية الاجتماعية المموّلة من الموازنة العامة. وقد برز الأردن والمغرب نموذجَين أكثر شمولًا وفاعليةً في هذا المجال، في حين اتخذ عدد من دول الخليج العربي حزمةً من الإجراءات التي تندرج ضمن نطاق الحماية الاجتماعية ودعم استمرارية القطاع الخاص. ومع ذلك، ارتبطت قدرة هذه الأنظمة على تبنّي مثل هذه التدابير، إلى حد بعيد، بإقرار تشريعات استثنائية، وبحالة الإجماع الدولي التي سادت آنذاك حول ضرورة تبنّي تدخلات حمائية واسعة النطاق لمواجهة تداعيات الجائحة.

ثالثًا: صناديق الاستقرار واحتواء المخاطر: نحو أطر مؤسسية لمواجهة أزمات المستقبل

أمام هذه المعطيات والمستجدات، أصبح التفكير في استحداث صناديق للاستقرار واحتواء المخاطر مسألةً ملحّة، ليس بالنسبة إلى الدول العربية فحسب، بل أيضًا لمختلف دول العالم التي تتزايد احتمالات تعرضها للأزمات والصدمات يومًا بعد يوم، في ظل تدحرج الإشكاليات الجيوسياسية واتساع نطاق تأثيرها، والتطورات التكنولوجية التي تحمل، بقدر ما تتيحه من منافع وفرص، مخاطر وتحولات عميقة، فضلًا عن تنامي المخاطر البيئية والمناخية، وغيرها من التحديات والتهديدات القائمة منها، وتلك التي لم تتكشف ملامحها على نحو جليّ بعد.

لا ترتبط فاعلية هذه الصناديق بحجم الموارد المالية التي يمكن حشدها وتعبئتها فحسب؛ إذ إن العديد من الصناديق السيادية وغيرها من الصناديق العامة في الدول العربية تحتفظ بموارد وأصول مالية ضخمة. ومع ذلك، لم يكن لها دور مباشر في احتواء التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمات المتعاقبة التي شهدتها المنطقة منذ جائحة كورونا، وهو أمر طبيعي ومتسق مع طبيعة الأدوار والمهمات التي أُنشئت تلك الصناديق من أجلها.

بناء عليه، لا يكمن جوهر المسألة في التمويل وحده، بل أيضًا في طبيعة الأطر التنظيمية والمؤسسية التي يُفترض أن تنظّم عمل الصناديق الموجّهة إلى التعامل مع الأزمات والصدمات المستقبلية، وفي وضوح المهمات والصلاحيات الموكلة إليها. فأسئلة من قبيل: متى تتدخل هذه الصناديق؟ وكيف؟ ولصالح أيّ فئات أو قطاعات؟ وما الحدود الزمنية لتدخّلها؟ تمثل جميعها قضايا جوهرية ينبغي أن تجيب عنها، بوضوح ومنهجية، القوانين والأنظمة الناظمة لعمل هذه الصناديق، بما يضمن كفاءتها، وعدالتها، وفاعليتها في الاستجابة المنظمة والمستدامة لمختلف الأزمات والمخاطر.

تختلف المصادر التمويلية الممكنة لهذه الصناديق باختلاف هيكلية الاقتصاد وطبيعة الموارد التي تمتلكها كل دولة. ففي عدد من الدول التي استحدثت صناديق ذات مهمات متقاربة، ارتكزت مصادر التمويل على موارد ريعية أو إيرادات استثنائية. فعلى سبيل المثال، يُموَّل صندوق الاستقرار في بنما جزئيًا من خلال تخصيص نسبة من العوائد المتأتية من قناة بنما لصالحه، إضافةً إلى جزء من العوائد الناتجة من ملكية الحكومة لأسهم في بعض الشركات، وعوائد الخصخصة، وأيّ إيرادات أخرى تُخصص للصندوق بموجب القوانين والأنظمة النافذة. في حين يُموَّل "صندوق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي" في تشيلي من جزء من عوائد تصدير النحاس، باعتباره أحد أهم الموارد الاستراتيجية للاقتصاد التشيلي.

في المقابل، تلجأ دول أخرى أقل وفرةً بالموارد الطبيعية إلى آليات تمويل مختلفة، تقوم أساسًا على توجيه الفوائض المتحققة في الموازنة العامة نحو صناديق الاستقرار، كما هو الحال في بيرو، التي توجّه أيضًا جزءًا من عوائد عقود الامتياز والخصخصة إلى "صندوق الاستقرار المالي" الخاص بها. ويعكس ذلك أن تصميم الأطر التمويلية لهذه الصناديق ينبغي أن يكون متسقًا مع الخصائص الاقتصادية والمالية لكل دولة، وبما يضمن استدامة مواردها وقدرتها على التدخل الفاعل عند وقوع الأزمات والصدمات.

تبدو مسألة حشد الموارد المالية لهذه الصناديق أكثر سهولةً ووضوحًا بالنسبة إلى الدول العربية المصدّرة للنفط، التي تستطيع تخصيص جزء من عوائد صادراتها الهيدروكربونية لصالحها، إلى جانب مصادر أخرى يمكن تطويرها أو استحداثها. إلا أن المسألة تبدو أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الدول العربية غير النفطية، التي لا تملك موارد طبيعية يمكن اقتطاع جزء من عوائدها لتمويل صناديق مماثلة، فضلًا عن أنها، في الغالب، غير قادرة على تحقيق فوائض مالية في موازناتها العامة، في ظل ما تعانيه من عجوزات مزمنة وارتفاع في مستويات المديونية العامة، بما لا يتيح لها، على المديَين القصير والمتوسط، هامشًا ماليًا مريحًا لتكوين احتياطيات أو صناديق استقرار ذات موارد كافية.

إن تحديد مهمات واضحة وذات جدوى ملموسة لهذه الصناديق، على نحو يعزز ثقة دافعي الضرائب بفاعليتها وشفافية عملها، من شأنه أن يسهم في تسهيل استحداث مصادر تمويل مستدامة لها، حتى في الدول التي تواجه تحديات مالية وضغوطًا على أوضاعها المالية العامة. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تفرض هذه الدول رسومًا محدودة على بعض الصادرات، أو على مبيعات منتجات التبغ، أو على الأنشطة السياحية في فترات الانتعاش والوفرة، أو تخصص جزءًا من الأرباح ورسوم الرخص الحصرية للأنشطة التي تتمتع بحماية تنظيمية تحدّ من المنافسة الواسعة، إلى جانب مصادر أخرى يمكن تصميمها وربطها على نحو مباشر بالأهداف والغايات التي تُنشأ هذه الصناديق من أجلها.

لا تتمثل القضية الجوهرية في كيفية تمويل هذه الصناديق فحسب، بل أيضًا في طبيعة المهمات والأدوار التي يُفترض أن تضطلع بها؛ فهذه الصناديق ينبغي أن تكون قادرة على توفير الحماية المؤقتة للأنشطة الإنتاجية والخدمية التي قد تتعرض لصدمات أو مخاطر تهدد استدامتها واستمراريتها، ويُفترض أن تمتد مظلتها، ضمن ضوابط واضحة، إلى الأفراد المتأثرين بالأزمات والتحديات على نحو يهدد استقرارهم الاجتماعي والمعيشي. ويجب أن تُؤطَّر مثل هذه التدخلات ضمن قواعد مؤسسية واضحة وشفافة، بما يمنح هذه الصناديق الصدقية والموثوقية اللازمتين لحشد الموارد المالية وضمان استدامة دورها في مواجهة الأزمات المستقبلية.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً