رغم اعتبار اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين الاتحاد الأوروبي والهند في يناير/كانون الثاني 2026 نقطة تحول مهمة في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن التحدي الأكبر أمام الاقتصاد الهندي لا يزال يتمثل في ضعف قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى قطاع التصنيع.
ووفقاً لدراسة بحثية حديثة نشرها معهد بروغل للدراسات، فإن الهند تحتاج إلى تدفقات أكبر من الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات التحويلية، ليس فقط لتوفير التمويل ورؤوس الأموال، بل باعتبارها أداة أساسية لنقل التكنولوجيا والخبرات الإدارية وتعزيز فرص العمل ورفع الإنتاجية.
وأشارت الدراسة إلى، أن أداء الهند في استقطاب الاستثمارات الصناعية الأجنبية ما يزال أقل بكثير من نظيره في الصين ودول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي نجحت خلال العقود الماضية في بناء منظومات صناعية متكاملة استفادت من تدفقات رأس المال الأجنبي، وأسهمت في نقل المعرفة إلى الشركات المحلية وتعزيز قدرتها التنافسية.
وفي المقابل، تركزت معظم الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى الهند في قطاع الخدمات والتكنولوجيا والأنشطة المالية، بينما ظل نصيب قطاع التصنيع محدوداً. كما أن جزءاً كبيراً من هذه التدفقات اتخذ شكل استثمارات في شركات مملوكة بالكامل لمستثمرين أجانب أو عبر صناديق الأسهم الخاصة ورأس المال المخاطر، وهو ما قلل من فرص انتقال المعرفة والخبرات إلى الشركات الهندية المحلية.
وتبرز أهمية الاتحاد الأوروبي في هذا السياق بوصفه أكبر مستثمر أجنبي في الهند وأحد أبرز مصادر الاستثمار الأجنبي المباشر على مستوى العالم. وترى الدراسة أن الشركات الأوروبية تمتلك الإمكانات المالية والخبرات الصناعية التي يمكن أن تساعد الهند على تعزيز قاعدة التصنيع لديها، خاصة في ظل سعي العديد من الشركات الأوروبية إلى تنويع استثماراتها وتقليل اعتمادها على السوق الصينية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تنامي جاذبية السوق الهندية التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة وتعد واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، ما يجعلها وجهة واعدة للشركات الباحثة عن فرص توسع طويلة الأمد.
لكن الدراسة تؤكد أن حجم الاستثمارات الأوروبية في قطاع التصنيع الهندي لا يزال دون الإمكانات المتاحة، رغم معدلات النمو المرتفعة التي تحققها الهند والعوائد الاستثمارية الجاذبة التي توفرها.
ويرجع الباحثون جانباً من هذا التردد إلى غياب منظومة متكاملة لحماية المستثمرين الأجانب، مشيرين إلى أن اتفاقية التجارة الحرة بصيغتها الحالية لا تتضمن آليات واضحة لحماية الاستثمار وتسوية النزاعات، وهي عناصر تعد حاسمة في قرارات الشركات الصناعية الكبرى عند اختيار وجهاتها الاستثمارية.
ويرى معدو الدراسة، أن إدراج بنود أكثر قوة لحماية المستثمرين يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو توجيه مزيد من رؤوس الأموال الأوروبية إلى قطاع التصنيع الهندي، بما يسهم في تسريع التحول الصناعي للهند وتعزيز مكانتها كمركز إنتاج عالمي منافس خلال السنوات المقبلة.
ويعتبر مراقبون أن نجاح الهند في جذب الاستثمارات الصناعية الأجنبية سيكون عاملاً حاسماً في تحقيق أهدافها الاقتصادية طويلة الأمد، خاصة مع سعيها إلى زيادة مساهمة قطاع التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي وخلق ملايين الوظائف الجديدة لاستيعاب النمو السكاني المتسارع.
م.ال
أضف تعليقاً