بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
حقوق الانسان

بين الشائعة والحدود.. مهاجرون يدفعون ثمن المعلومات المضللة في أزمة سبتة

تحولت أزمة تدفق المهاجرين إلى سبتة من قضية تتعلق بالحدود والهجرة غير النظامية إلى ملف إنساني ورقمي متشابك، بعدما أظهرت شهادات مهاجرين وتحقيقات مفتوحة المصدر أن معلومات انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي ربما أسهمت في دفع أشخاص إلى خوض رحلة محفوفة بالمخاطر على أمل الوصول إلى الأراضي الخاضعة للإدارة الإسبانية.

ودفعت التطورات المفوضية الأوروبية إلى مطالبة منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها ميتا وتيك توك، بتشديد إجراءاتها لمواجهة المعلومات المضللة خلال الأزمات، وسط مخاوف من أن تتحول المنشورات ومقاطع الفيديو غير الدقيقة إلى عامل مؤثر في قرارات أشخاص يعيشون أصلاً في ظروف هشة.

وقالت هينا فيركونن، مفوضة الاتحاد الأوروبي للسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية، إن المنصات مطالبة بالتحرك بحزم للحفاظ على سلامة الفضاء الرقمي، خصوصاً خلال الأزمات، داعية إلى تكثيف عمليات الرصد وتعزيز التعاون مع مدققي الحقائق.

وتأتي الدعوة الأوروبية بعدما لعبت شبكات التواصل، بحسب شهادات مهاجرين وتقارير إعلامية، دوراً في تداول معلومات تتعلق بالحدود الإسبانية مع المغرب، إذ انتشرت مقاطع ورسائل تشير إلى أن القيود المشددة على العبور إلى سبتة خُففت بصورة مفاجئة.

وتداول مستخدمون أيضاً مزاعم عن إمكانية توفير أماكن إقامة للقادمين إلى المدينة، وإمكانية انتقالهم لاحقاً إلى البر الرئيسي الإسباني، وهي معلومات من شأنها، إذا ثبت عدم صحتها، أن تؤثر بصورة مباشرة في حسابات مهاجرين يفكرون في خوض رحلة العبور.

وتكشف الأزمة جانباً جديداً من المخاطر التي يواجهها المهاجرون، إذ لم يعد قرار التحرك مرتبطاً فقط بشبكات التهريب أو الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بل بات المحتوى الذي يصل إلى هواتفهم قادراً على التأثير في تقديرهم للمخاطر والفرص المتاحة أمامهم.

وقال مهاجرون قابلتهم رويترز إن مقاطع فيديو نُشرت عبر الإنترنت وأظهرت شباناً داخل سبتة وهم يبتسمون ويرفعون إشارة النصر كان لها أثر غير مقصود في تشجيع آخرين على محاولة الوصول إلى المدينة.

وبعد انتشار تلك المشاهد، حاول مئات الأشخاص الوصول إلى الجيب الإسباني سباحة، ما سلط الضوء على الكيفية التي يمكن بها لصورة أو مقطع قصير، من دون سياقه الكامل، أن يرسم تصوراً مختلفاً تماماً عن الواقع الذي ينتظر الأشخاص على الجانب الآخر من الحدود.

وتزداد خطورة هذا النوع من المعلومات عندما يكون المتلقي في وضع هش أو يفتقر إلى مصادر مستقلة للتحقق مما يشاهده، إذ يمكن لرسالة تتحدث عن فتح الحدود أو تسوية قانونية مرتقبة أن تتحول خلال ساعات إلى عامل يدفع أشخاصاً إلى اتخاذ قرار قد يعرض حياتهم للخطر.

وأظهر تحقيق مفتوح المصدر أجرته شركة التكنولوجيا "غولدن أول" مؤشرات اعتبرتها دالة على أن تدفق المهاجرين ربما كان منظماً بصورة متعمدة، لكن الجهات الأوروبية لم تعلن حتى الآن بصورة حاسمة هوية الطرف أو الأطراف التي قد تكون وراء نشر المعلومات المضللة.

وتداولت منشورات على منصات تابعة لميتا منذ السابع من يوليو/تموز معلومات غير صحيحة عن البرنامج الإسباني الخاص بتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، ومن بينها منشور حصل على أكثر من 28 ألف إعجاب، بحسب التحقيق.

وتكررت رسائل مشابهة قبيل موجة العبور، الأمر الذي دفع مسؤولين أوروبيين إلى البحث في احتمال وجود صلة بين النشاط الرقمي والتحركات الميدانية على الحدود.

غير أن السلطات الأوروبية تتعامل بحذر مع مسألة تحديد المسؤولية.

وقال المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر إن عمليات العبور تأثرت بشبكات تهريب إجرامية وحملات تضليل، لكنه أضاف أنه لا يزال من السابق لأوانه تحديد من يقف وراء استغلال الأزمة عبر الإنترنت.

ويترك هذا الغموض أسئلة مفتوحة بشأن ما إذا كان المحتوى المضلل نتاج نشاط شبكات تهريب تسعى إلى جذب مزيد من المهاجرين، أم حملات منظمة ذات أهداف سياسية، أم مجرد معلومات غير دقيقة انتشرت بصورة متسارعة عبر المستخدمين.

وبالنسبة إلى المهاجر نفسه، قد تكون هوية مصدر الشائعة أقل أهمية من نتائجها المباشرة. فالقرار الذي يُتخذ بناء على معلومة خاطئة عن فتح الحدود أو فرص الحصول على إقامة قد يقود صاحبه إلى طرق غير آمنة أو إلى محاولة عبور البحر أو الحدود في ظروف خطرة.

وهنا تبرز القضية من زاوية حقوق الإنسان، إذ تتجاوز مواجهة التضليل حماية النقاش العام أو الأمن الرقمي إلى توفير معلومات موثوقة للأشخاص الذين قد تتوقف سلامتهم على صحة ما يصل إليهم.

وفي الوقت نفسه، تثير الدعوات إلى تشديد الرقابة على المحتوى تحدياً آخر يتعلق بالموازنة بين مواجهة المعلومات المضللة والحفاظ على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات، خصوصاً عندما تتعلق المنشورات بقضايا الهجرة واللجوء والسياسات الحكومية.

وتسعى بروكسل، وفق تصريحات مسؤوليها، إلى تعزيز مراقبة اتجاهات التضليل على المنصات بالتعاون مع وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول" ومؤسسات الاتحاد الأخرى، بهدف اكتشاف الحملات التي يمكن أن تؤثر في الأزمات قبل أن تتحول آثارها الرقمية إلى تطورات ميدانية.

لكن أزمة سبتة أظهرت صعوبة الفصل بين الخبر والشائعة والمحتوى العفوي في بيئة رقمية تتحرك أسرع من المؤسسات الرسمية.

فالمقطع الذي ينشره مهاجر نجح في الوصول إلى الجانب الآخر قد يكون بالنسبة إليه مجرد توثيق للحظة شخصية، لكنه يمكن أن يُفسر على بعد مئات الكيلومترات بوصفه دليلاً على سهولة الطريق أو تغير إجراءات الحدود.

كما أن التأخر في تقديم المعلومات الرسمية يترك مساحة يمكن أن تملأها الشائعات، ولا سيما بين مجتمعات تعتمد بصورة كبيرة على الهواتف وتطبيقات التواصل للحصول على الأخبار المتعلقة بطرق الهجرة والحدود.

ولهذا تتجه القضية تدريجياً من سؤال يتعلق بكيفية حذف المحتوى المضلل إلى سؤال أوسع: كيف يمكن ضمان وصول معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب إلى أشخاص قد يبنون عليها قرارات مصيرية؟

وبينما تبحث المؤسسات الأوروبية مسؤولية المنصات وشبكات التهريب والجهات المحتملة التي تقف وراء حملات التضليل، يبقى المهاجرون الحلقة الأكثر تعرضاً لنتائجها.

فأزمة سبتة أظهرت أن الحدود في عصر المنصات الرقمية لم تعد تبدأ عند الأسلاك والحواجز ونقاط التفتيش فقط، بل قد تبدأ من شاشة هاتف ورسالة قصيرة أو مقطع فيديو ينتشر خلال دقائق.

وبالنسبة إلى شخص يبحث عن طريق إلى حياة أكثر أمناً، يمكن أن تكون المسافة بين معلومة صحيحة وأخرى مضللة هي أيضاً المسافة بين قرار محسوب ورحلة لا يعرف كيف ستنتهي.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً