بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

حرب إيران تربك سوق النفط.. الأسعار المعلنة تخفي أزمة أعمق

كشفت الحرب مع إيران عن فجوة غير معتادة في سوق النفط العالمية بين الأسعار التي تظهر يومياً على شاشات التداول والأسعار الفعلية التي يدفعها المشترون للحصول على الخام، في وقت أدى فيه اضطراب الإمدادات إلى اختفاء أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من الأسواق العالمية لأكثر من 50 يوماً.

وبحسب تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (Center for Strategic and International Studies - CSIS)، وترجمته وكالة النبأ، فإن أسعار النفط ارتفعت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب مع إيران في 28 شباط/فبراير، وسط تقلبات حادة غذتها الأنباء المتعلقة بالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والشحن البحري، مقابل تراجع الأسعار كلما ظهرت مؤشرات على تقدم دبلوماسي محتمل لإنهاء الحرب.

وأعد التحليل الباحثان عدي إمشيروفيتش (Adi Imsirovic) وكلايتون سيغل (Clayton Seigle)، وهما متخصصان في برنامج أمن الطاقة وتغير المناخ في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن.

ويرى الباحثان أن فهم حركة النفط خلال الحرب يتطلب التمييز بين سوقين مترابطتين لكنهما تعملان وفق آليات مختلفة، هما سوق النفط الفعلية أو "المادية"، والسوق المالية التي تعرف في القطاع باسم سوق النفط "الورقية"، معتبرين أن الأسعار الفعلية للخام أصبحت في الظروف الحالية مؤشراً أكثر دقة على حقيقة التوازن بين العرض والطلب.

ويشير تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، إلى أن أسعار السوق الفعلية هي تلك التي يدفعها المشترون مقابل براميل حقيقية يجري تسليمها عادة خلال فترة تتراوح بين أسبوعين وأربعة أسابيع، وتشمل أطراف هذه السوق شركات إنتاج النفط الوطنية والمستقلة والمصافي التي تشتري الخام لتكريره.

ويعد خام "برنت المؤرخ" (Dated Brent) أحد أهم المؤشرات في السوق الفعلية، إذ يمثل سعر نفط بحر الشمال وتُسعّر أنواع أخرى من الخام، بينها نفط البصرة العراقي المتجه إلى أوروبا وخام الأورال الروسي، بعلاوة أو خصم مقارنة به.

ويورد الباحثان مثالاً على ذلك بخام "فوركادوس" النيجيري، الذي جرى تداوله أخيراً بعلاوة بلغت نحو 6.5 دولارات للبرميل فوق سعر برنت المؤرخ، نتيجة عوامل تتعلق بتركيبته والعائد الذي تحققه المصافي منه وتوافره وكلفة شحنه.

أما الأسعار "الورقية"، فهي ترتبط أساساً بالعقود المالية التي تشير إلى نفط سيجري تسليمه في شهر مستقبلي، ومن أبرزها العقود الآجلة لخامي برنت وغرب تكساس الوسيط المتداولة في بورصتي إنتركونتيننتال وشيكاغو التجارية، إلى جانب عقود الخيارات والمبادلات النفطية.

وتكمن الفوارق أيضاً في هوية المتعاملين وأهدافهم؛ إذ يحدد المنتجون والمصافي والتجار أسعار المعاملات الفعلية، بينما تستخدم الأسواق الآجلة بصورة أساسية للتحوط من مخاطر الأسعار أو للمضاربة، ونادراً ما تنتهي تداولاتها بتسليم أو استلام النفط فعلياً.

وعادة ما تتحرك أسعار النفط الفعلية والعقود الآجلة بصورة متقاربة، ولا يتجاوز الفارق بينهما بضعة سنتات للبرميل، قبل أن تتقارب بصورة أكبر مع اقتراب العقود المستقبلية من موعد استحقاقها.

لكن الحرب الحالية قلبت هذه المعادلة، إذ أدى تعطل أكثر من 10 ملايين برميل يومياً من صادرات منطقة الخليج إلى اتساع الفجوة بصورة استثنائية بين السعرين.

وبحسب التحليل، أصبحت المصافي أكثر استعداداً لدفع أسعار مرتفعة للحصول على إمدادات كافية من الخام لتجنب خفض معدلات التشغيل أو إغلاق وحداتها، في حين يتعامل المستثمرون في أسواق العقود الآجلة بحذر أكبر خشية التحولات المفاجئة الناجمة عن الأخبار والتطورات السياسية.

وأدى ذلك إلى وصول الفارق بين النفط المتاح للتسليم القريب وأسعار العقود المستقبلية إلى مستوى استثنائي بلغ نحو 30 دولاراً للبرميل في مطلع نيسان/أبريل.

ويرى الباحثان عدي إمشيروفيتش وكلايتون سيغل أن الأزمة الراهنة تختلف بصورة جوهرية عن موجة ارتفاع أسعار النفط في عامي 2007 و2008، التي جاءت أساساً نتيجة انفجار الطلب بقيادة الصين.

فالأزمة الحالية، بحسب تحليلهما، أقرب إلى صدمة إمدادات على غرار سبعينيات القرن الماضي، تهدد باستنزاف المخزونات العالمية وترك بعض المصافي عاجزة عن الحصول على كميات كافية من الخام بأسعار مقبولة، مع احتمال تعرض بعض المناطق لنقص في وقود النقل وحتى وقود الطهي في عدد من الأسواق الآسيوية.

وتكشف أرقام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي حجم الصدمة، إذ تجاوزت كميات النفط التي حُجبت عن السوق العالمية منذ بداية الأزمة نصف مليار برميل، وهي فجوة يرى الباحثان أنه لا توجد استجابة سياسية قادرة على تعويضها بالكامل.

ويشير التحليل إلى أن إجراءات مثل السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية أو تعديل القيود التنظيمية الأميركية، فضلاً عن التدخل في الضرائب والدعم، قد تخفف بعض التداعيات، لكنها لن تكون قادرة على إزالة الضرر الاقتصادي الناجم عن اضطراب بهذا الحجم.

وتتجه الأنظار الآن إلى ما يعرف في أسواق الطاقة بـ"تدمير الطلب"، وهي المرحلة التي ترتفع فيها الأسعار إلى مستويات تجبر المستهلكين والشركات على تقليص استهلاك النفط، ما يسمح في نهاية المطاف بإعادة التوازن بين العرض والطلب.

ويرى الباحثان أن المؤشرات الأولية على ذلك ربما بدأت بالفعل، بعدما اقتربت أسعار بعض أنواع الخام في السوق الفعلية من 150 دولاراً للبرميل، بينما تجاوز سعر وقود الطائرات في آسيا 200 دولار، وهي مستويات قد تكون بدأت بالفعل في كبح الطلب مقارنة بفترة ما قبل الحرب.

وفي محاولة لحماية المستهلكين والشركات من ارتفاع أسعار الطاقة، أعلنت عشرات الحكومات تدخلات في الأسواق شملت تحديد سقوف للأسعار وتقديم دعم للوقود.

لكن تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) يحذر من أن التدخلات الواسعة في الأسعار قد تحمل نتائج عكسية، لأنها تحجب إشارات السوق التي تدفع المستهلكين إلى تغيير سلوكهم وخفض الاستهلاك، ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تفاقم الأزمة. كما بدأت بعض الدول الآسيوية باتخاذ إجراءات لخفض استهلاك الكهرباء المستخدمة في التكييف والإضاءة.

ويحذر الباحثان من خطورة الاعتماد على أسعار العقود الآجلة وحدها لفهم حقيقة الأزمة. فمنذ الأول من آذار/مارس، بلغ متوسط سعر العقود الآجلة لخام برنت للشهر الأقرب نحو 98 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قد يعطي انطباعاً بأن ارتفاع الأسعار لا يزال تحت السيطرة.

لكن الصورة في السوق الفعلية مختلفة؛ إذ بلغ متوسط سعر "برنت المؤرخ" خلال الفترة نفسها نحو 111 دولاراً للبرميل، بينما جرى تداول بعض أنواع الخام بأسعار تزيد بأكثر من 20 دولاراً فوق هذا المستوى.

وهنا تكمن، وفق الباحثين، إحدى أهم مخاطر قراءة أسعار النفط خلال الحرب: السعر الذي يظهر على شاشات الأسواق المالية قد لا يعكس الكلفة الحقيقية للبرميل الذي تحتاج إليه المصافي والمستهلكون فعلياً.

ويتوقع التحليل أن تتراجع أسعار السوقين عندما تبدأ صادرات الخليج بالعودة إلى مستوياتها الطبيعية، لكن العقود الآجلة قد تنخفض بصورة أسرع من أسعار النفط الفعلية.

ويرجع ذلك إلى أن سلاسل الإمداد ستظل تعاني آثار الحرب حتى بعد توقفها، بما يشمل آباراً أُوقف إنتاجها ونقص الناقلات الفارغة اللازمة لاستعادة مستويات الشحن السابقة، وهي اختناقات قد يستغرق حلها أشهراً.

ويخلص تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (Center for Strategic and International Studies - CSIS)، إلى أن أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات قد تبقى مرتفعة لفترة أطول من أسعار العقود الآجلة للنفط، حتى في حال انتهاء الحرب واستئناف تدفقات الإمدادات.

وبذلك، يرى الباحثان عدي إمشيروفيتش وكلايتون سيغل أن متابعة السوق الفعلية للنفط، وليس الاكتفاء بمؤشرات برنت وغرب تكساس الآجلة، توفر في ظروف الحرب الحالية قراءة أكثر واقعية لحجم أزمة الإمدادات والضغوط التي يواجهها الاقتصاد العالمي.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً