فاجأت وزارة الخزانة الأميركية الأسواق المالية بقرار مضاعفة مشترياتها من السندات الحكومية طويلة الأجل، في تحرك جاء بعد ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى أعلى مستوياتها في نحو عقدين، وسط ضغوط متزايدة يفرضها التضخم والدين الحكومي والحرب مع إيران على أكبر سوق للسندات في العالم.
وبحسب تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (Council on Foreign Relations – CFR)، وترجمته وكالة النبأ، أعلنت الخزانة الأميركية في 19 آب أنها ستضاعف على الأقل قيمة السندات طويلة الأجل التي تعيد شراءها من المستثمرين، من ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار لكل عملية، خلال الفترة من 9 أيلول إلى 4 تشرين الثاني.
وجاء القرار بعدما سجلت عوائد سندات الحكومة الأميركية لأجل عشر سنوات وثلاثين عاماً أعلى مستوياتها في عشرين عاماً، بالتزامن مع اتجاه مماثل في عدد من أسواق السندات الحكومية خارج الولايات المتحدة.
وأدى الإعلان الأميركي مباشرة إلى تراجع العوائد، فيما قالت وزارة الخزانة إن التغيير يعكس رغبتها في "توفير دعم أكبر للسيولة" في سوق السندات الأميركية طويلة الأجل.
وترى كاتبة التحليل، الباحثة والمستثمرة الأميركية ريبيكا باترسون (Rebecca Patterson)، أن الخطوة تثير سؤالاً أكبر بشأن قدرة واشنطن على خفض تكاليف الاقتراض بصورة مستدامة، وليس مجرد دفع العوائد إلى الانخفاض بصورة مؤقتة.
وتحدد باترسون ثلاثة مسارات رئيسية يمكن أن تخفض عوائد السندات لفترة طويلة، أولها معالجة السياسات الحكومية للعوامل التي تدفع العوائد إلى الصعود، وفي مقدمتها القيود على الإمدادات التي تغذي التضخم والخيارات المالية التي توسع عجز الموازنة.
أما المسار الثاني فيتمثل في التدخل المباشر من جانب وزارة الخزانة أو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ولا سيما من خلال التيسير الكمي وشراء السندات، فيما يعتمد المسار الثالث على تغير الظروف الاقتصادية نفسها، إذ يؤدي ضعف توقعات النمو أو انحسار الضغوط التضخمية عادة إلى انخفاض العوائد.
وتضع الدراسة الحرب مع إيران ومضيق هرمز في قلب الضغوط الحالية على الأسواق، إذ ترى باترسون أن أفضل السيناريوهات الواقعية على المدى القريب لخفض التضخم والعوائد يتمثل في التوصل إلى نهاية للحرب تخفف القيود المفروضة على الإمدادات العابرة لمضيق هرمز، خصوصاً الطاقة.
وبحسب التحليل، أظهر متوسط توقعات المحللين لدى "بلومبرغ" حتى 18 آب إمكانية انخفاض خام برنت إلى أقل من 76 دولاراً للبرميل بحلول نهاية العام، مقارنة بمستويات تتجاوز 91 دولاراً حالياً. لكن التقرير يرى أن الأسواق أخذت بالفعل جزءاً من هذا الانخفاض المتوقع في أسعار الطاقة بالحسبان، ما قد يحد من تأثيره الإضافي في عوائد السندات.
وتشير باترسون إلى أن سرعة موجة بيع السندات الأخيرة والمستويات المرتفعة التي بلغتها العوائد لعبتا على الأرجح دوراً في قرار الخزانة المفاجئ، خصوصاً أن الوزارة كانت قد نشرت جدول عمليات إعادة الشراء لهذا الربع قبل أسبوعين فقط من تعديل خطتها.
لكن التحليل يحذر من المبالغة في تأثير عمليات إعادة الشراء، معتبراً أنها تمثل "إشارة أكثر من كونها حلاً جوهرياً"، لأن قيمتها حتى بعد مضاعفتها ستظل محدودة أمام الحجم الهائل لقوى العرض والطلب التي تتحكم بأسعار السندات وعوائدها.
ويطرح التحليل التيسير الكمي من جانب الاحتياطي الفيدرالي باعتباره أداة أكثر فاعلية واستدامة لخفض العوائد، عبر شراء السندات وتقليل المعروض منها في الأسواق، وهي سياسة استخدمها البنك المركزي الأميركي على نطاق واسع منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.
إلا أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش أبدى معارضة للاستخدام المستمر لميزانية البنك المركزي وأشار إلى رغبته في تقليصها خلال السنوات المقبلة، ما يجعل العودة إلى برنامج واسع لشراء السندات أمراً مستبعداً حالياً، إلا في حال حدوث اضطراب حاد في الأسواق.
وتزداد صعوبة المهمة مع استمرار التضخم الأميركي فوق المستوى المستهدف البالغ 2 بالمئة لأكثر من خمس سنوات، في وقت كانت الأسواق، حتى 19 آب، ترجح أن تكون الخطوة المقبلة للاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها، بينما أبدى ثلاثة مسؤولين تأييدهم زيادة قدرها ربع نقطة مئوية خلال اجتماع تموز.
ولا تقتصر المشكلة على التضخم، إذ يشير تحليل مجلس العلاقات الخارجية إلى عامل آخر يضغط بصورة متزايدة على أسواق السندات يتمثل في تراكم الديون الحكومية.
ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي التي أوردها التقرير، بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة نحو 110 بالمئة العام الماضي، وهو ما يعني أن الحكومات التي تحتاج إلى إصدار المزيد من السندات لتمويل إنفاقها تحتاج في المقابل إلى طلب أكبر من المستثمرين لمنع ارتفاع العوائد.
وتبرز المشكلة بصورة أكبر في الولايات المتحدة، إذ يثير حجم الإصدارات الحكومية تساؤلات بشأن الجهات القادرة على استيعاب الديون الجديدة، خصوصاً أن المستثمرين الأجانب يمتلكون نحو 30 بالمئة من سندات الخزانة الأميركية، بينما أدت السياسات التجارية والجمركية لإدارة الرئيس دونالد ترامب إلى توترات مع عدد من الشركاء في الخارج.
ولا تنحصر المخاطر في السوق الأميركية، إذ يشير التحليل إلى أن فرنسا واليابان وبريطانيا تواجه بدورها مزيجاً مشابهاً من الضغوط الاقتصادية والسياسية المرتبطة بارتفاع عوائد الديون الحكومية، بما يوسع نطاق المخاوف من تحول تكلفة الاقتراض المرتفعة إلى مشكلة تواجه الاقتصادات المتقدمة بصورة عامة.
ويخلص تحليل مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، إلى أن الإجراءات الفنية التي تتخذها الخزانة أو البنوك المركزية قد تنجح في كبح ارتفاع العوائد مؤقتاً، لكنها لا تعالج الأسباب الأساسية التي تدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى.
وبعد عقود اتسمت باستقرار أسواق الديون وانخفاض تكاليف الاقتراض، عادت السندات الحكومية طويلة الأجل إلى واجهة المخاطر المالية، فيما يرجح التحليل بقاء عوائدها "مرتفعة لفترة أطول"، محذراً من أن أسباب ارتفاعها والمستويات التي قد تصل إليها ستؤثر بصورة مباشرة في مسار الأسواق المالية والاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
أضف تعليقاً