بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
الرأي والتحليل

تهديدات تتصاعد أمام القيادة العالمية للولايات المتحدة مالياً وعسكرياً ومع الحلفاء

*فريدريك كيمب

اجتازت الولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي ثلاثة حدود بالغة الخطورة، سيختبر كل منها قدرة واشنطن على حشد الموارد والإرادة السياسية والتماسك مع حلفائها، بما يكفي للحفاظ على دورها القيادي على الساحة العالمية.

الأول كان مالياً: فقد تجاوز الدين الوطني الأميركي للمرة الأولى 40 تريليون دولار، وهو رقم مذهل دفع وزير الخزانة سكوت بيسنت الأسبوع الماضي إلى التدخل لدعم سوق سندات الخزانة الأميركية، البالغة قيمتها 31.5 تريليون دولار، وسط حالة من القلق والتوتر. وبعد ارتفاع وجيز، عاد المستثمرون إلى ما يُعرف بتداولات انخفاض قيمة العملة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الذهب والعملات المشفرة وزيادة الضغوط على الدولار. وبينما تركز وزارة الخزانة على عمليات إعادة شراء السندات، تركز وول ستريت على حقائق لم يتطرق إليها بيسنت، من بينها استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، وبلوغ مستويات الدين الأميركي أعلى معدلاتها منذ عقود، إلى جانب المخاوف من موجة اقتراض ضخمة للشركات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

أما الحد الثاني فكان عسكرياً واستراتيجياً: فبعد ما يقرب من ستة أشهر من الحرب، وجدت إدارة ترامب أن التفوق العسكري الأميركي الساحق لم يتمكن من تحقيق نتيجة مقبولة في إيران. ولذلك قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب اللجوء بدلاً من ذلك إلى استخدام أدوات اقتصادية أكثر قوة، معلناً عن يوم اقتصادي فاصل ضد إيران. لكن من غير المرجح أن تنجح هذه الحملة بصورة كاملة ما لم يكن ترامب مستعداً لمواجهة الصين بطريقة تجنبها حتى الآن، وتحديداً عبر استهداف تجار النفط والمؤسسات المالية الصينية. ويبدو من غير المرجح أن تتخذ الإدارة مثل هذه الخطوة قبل القمة المقرر أن يعقدها ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن يوم 24 سبتمبر.

أما الحد الثالث فيتعلق بالحلفاء، وبكندا على وجه الخصوص: وقد يكون حل هذه المشكلة أسهل من المشكلتين السابقتين، إذ لا يتطلب الأمر سوى توصل قائدي دولتين إلى اتفاق بشأن مجموعة محدودة نسبياً من القضايا. إلا أن ترامب ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني تشبثا بموقفيهما منذ انسحاب المفاوضين الكنديين من المحادثات يوم الجمعة.

ويراقب حلفاء الولايات المتحدة الآخرون الموقف، في وقت يهدد فيه كارني بالرد دولاراً مقابل دولار بمجرد دخول رسوم أميركية بنسبة 50 في المائة حيز التنفيذ على سلع كندية تبلغ قيمتها 20 مليار دولار. وقال كارني في خطاب حماسي ألقاه السبت: كندا أصبحت أقوى وأقل اعتماداً على أميركا. ونحن بدأنا للتو.

الخلاصة

إن ساعة تصاعد المخاطر التي تهدد استمرار القيادة العالمية للولايات المتحدة تحل في الوقت نفسه على جبهات عدة: مالية وعسكرية واستراتيجية وعبر الحلفاء. وفي المقابل، تتضاءل الذخيرة التي تمتلكها الولايات المتحدة للتعامل مع كل واحدة منها.

استنزاف الموارد

لا تزال الولايات المتحدة أغنى دولة في العالم، كما لا تزال تمتلك أقوى جيش وأكثرها قدرة. ولا شك في أنها تملك القدرة على تنفيذ تحركات استثنائية على الصعيدين المالي والعسكري. إلا أن الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، تستهلك احتياطيات قوتها المالية والعسكرية بوتيرة أسرع من قدرتها على إعادة بنائها. كما أنها تواجه مقاومة متزايدة من حلفائها للضغوط الاقتصادية التي تمارسها، وهو ما تجسده المواجهة مع كندا هذا الأسبوع.

وتتراكم مواقف الحلفاء تجاه الولايات المتحدة؛ فالحكومات لا تفصل بين التجارة والأمن والدبلوماسية في صناديق منفصلة. وبين حلفاء واشنطن، جاءت المواجهة مع كندا لتضاف إلى قرار ترامب المفاجئ الأسبوع الماضي تقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية، جزئياً بسبب رفض سيول الانضمام إلى الجهد الأميركي ضد إيران.

وتعزز هذه الوقائع مخاوف متنامية من أن إدارة ترامب تنظر إلى الالتزامات الأميركية طويلة الأمد، ليس باعتبارها روابط استراتيجية، وإنما ترتيبات قائمة على مبدأ المعاملة بالمثل، ومشروطة بمدى امتثال الحلفاء للرغبات الفورية لواشنطن.

يمكن لقوة عظمى أن تتحمل ديناً يبلغ 40 تريليون دولار. ويمكنها أيضاً تحمل حرب مكلفة وغير حاسمة. كما يمكنها تجاوز مناوشات مع حلفائها بشأن صفقات تجارية وتقاسم الأعباء العسكرية، وهي قضايا كانت تحتاج إلى التغيير في كل الأحوال.

لكن ما لا تستطيع الولايات المتحدة فعله إلى أجل غير مسمى هو التعامل مع المال والقدرات العسكرية وولاء الحلفاء باعتبارها موارد لا تنضب. فالقوى العظمى تتراجع عندما يفشل التفوق التكتيكي في تحقيق نتائج استراتيجية، وعندما تنمو التزاماتها بوتيرة أسرع من مواردها، وعندما يسيء قادتها ترتيب أولوياتهم.

ومع تكثيف روسيا هجماتها الجوية على أوكرانيا واستمرارها في اختبار حلفاء حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت الذي تسعى فيه الصين إلى تعزيز نفوذها في مواجهة تايوان ومصالح الولايات المتحدة الأخرى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن قادة البلدين سيراقبون واشنطن عن كثب.

اختبارات للمصداقية والقدرة

خصصت صحيفة وول ستريت جورنال مساحة بارزة في غلاف ملحق المراجعات لديها يوم السبت لمقالة موثقة للصحفي ياروسلاف تروفيموف، حملت عنوان: هل لا تزال أميركا قادرة على الدفاع عن النظام العالمي؟.

وكتب تروفيموف:

السؤال الذي يطرحه المسؤولون في عواصم الدول الحليفة والمنافسة على حد سواء هو ما إذا كان التراجع الصناعي، والارتباك الاستراتيجي، والخلل السياسي قد أضعف الولايات المتحدة إلى الحد الذي لم تعد معه قادرة على استخدام قوة حاسمة في صراع متعدد الجبهات قد يشمل أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وهذا مصدر قلق يشترك فيه كثيرون في واشنطن أيضاً.

ويقدم ماثيو كرونيج، من المجلس الأطلسي، إجابته عن سؤال تروفيموف في المقال نفسه:

إذا فكرت في الردع، فهو يتعلق بالقدرة والمصداقية... كان السؤال في السابق هو المصداقية: هل ستفعل الولايات المتحدة ذلك حقاً؟ لكن القدرة جزء مهم من هذه المعادلة أيضاً. ومع كل التقارير التي تتحدث عن استهلاك الولايات المتحدة لذخائرها، فمن المنطقي أن يفترض الخصوم أن الولايات المتحدة أقل قدرة الآن مما كانت عليه قبل عدة أشهر أو عدة سنوات.

وتتوالى اختبارات جديدة للمصداقية والقدرة الأميركية في الوقت الحقيقي، ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة موقع الولايات المتحدة المهيمن في القيادة العالمية، وهو الموقع الذي حافظت عليه على مدى الثمانين عاماً الماضية.

وفي مقال بصحيفة فايننشال تايمز، ربطت كاتبة العمود كاتي مارتن بصورة مباشرة بين تراجع مصداقية الولايات المتحدة في أسواق سندات الخزانة والحرب في إيران، قائلة:

إن معركة سكوت بيسنت المستمرة مع سوق السندات بدأت تبدو مثل حرب رئيسه في إيران: بدأت بقرار منه، وسط مجموعة متشابكة من الأهداف، وخصم جرى التقليل من شأنه، وطريق غير مقنع نحو الانتصار. وكما هو الحال في الصراع في الشرق الأوسط، فإننا جميعاً سنتحمل آثاره.

وأدى بيع حاد لسندات الخزانة الأميركية لأجل 10 و30 عاماً الأسبوع الماضي إلى رفع تكاليف الاقتراض الأميركي إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2007.

وفي الأربعاء الماضي، حاول بيسنت تحقيق الاستقرار في أهم سوق للسندات في العالم، بإعلانه أن وزارة الخزانة ستضاعف، على الأقل، مشترياتها من الديون الحكومية طويلة الأجل. ودفع ذلك الأسواق إلى الارتفاع، لكن المكاسب تبددت سريعاً بسبب ما وصفته فايننشال تايمز بإقدام المستثمرين على التراجع خوفاً من تدهور المالية العامة الأميركية، واستمرار التضخم المرتفع، وموجة الاقتراض التي تقودها شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي.

وأغلقت عوائد السندات يوم الاثنين منخفضة عن أعلى مستوياتها التي سجلتها الأسبوع الماضي، لكنها لم تتراجع كثيراً. وتفرض الأسواق المضطربة ضغوطاً إضافية على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وارش، بالتزامن مع انطلاق المؤتمر السنوي للاحتياطي الفيدرالي في جاكسون هول بولاية وايومنغ يوم الجمعة.

كلفة اليوم الاقتصادي الفاصل

في وقت سابق، انتقل بيسنت من السندات إلى إيران، محذراً في مقال رأي نشرته فايننشال تايمز مما سيحمله يوم الاثنين، قائلاً:

مع بزوغ الفجر يبدأ يوم اقتصادي فاصل، وهو أكبر هجوم مالي على الإطلاق يتم حشده ضد خصم.

وأضاف:لقد خلق الرئيس الظروف اللازمة لتسخير كل وكالة وكل صلاحية وكل إجراء كان كثيرون يفترضون أننا لن نلجأ إليه أبداً. وأي صلة متبقية مع طهران ستسرّع العزلة الاقتصادية للدول والكيانات، سواء كانت تلك الصلة مقصودة أو جرى تجاهلها عمداً.

لكن وزارة الخزانة الأميركية أصدرت بعد ظهر الاثنين إعلاناً بدا أقل تاريخية بكثير، تمثل في فرض عقوبات محدودة نسبياً على كيانات من الصين والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى.

ووصف بيسنت هذه الخطوة بأنها طلقة تحذيرية، متعهداً باتخاذ المزيد من الإجراءات ضمن ما سماه عملية المنبوذ الاقتصادي.

واستباقاً للحملة الأميركية الجديدة، أمرت الإمارات العربية المتحدة في 19 أغسطس بوقف شامل ومفتوح الأجل لجميع أشكال التجارة والتبادل التجاري والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.

وسيكون التنفيذ هو العامل الحاسم، لكن هذه الخطوة قد تكون مدمرة لإيران. فحتى الآن، كانت الإمارات أهم بوابة تجارية إقليمية لإيران، إذ وفرت لها السلع من دول ثالثة، والعملات الأجنبية، وخدمات الشحن، وشبكات الالتفاف على العقوبات.

وينبغي مراقبة التطورات المقبلة، إذ تمتلك الإمارات القدرة على إغلاق شريان مالي رئيسي مكّن إيران من الصمود في وجه العقوبات.

لكن السؤال الكبير هو: كيف سترد بكين؟

ومن غير المرجح أن تساعد الصين الولايات المتحدة في معاقبة إيران، إلا أن سلوكها سيكون أكثر أهمية من تصريحاتها. ومن المؤكد أن الصين سترد بقوة على أي عقوبات أميركية ثانوية تستهدف شركاتها أو مؤسساتها المالية، وقد يصل الأمر إلى تقييد وصول الولايات المتحدة إلى المعادن الحيوية التي تحتاج إليها الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الأميركية.

وتدرك الإدارة الأميركية ذلك جيداً. فعندما سُئل بيسنت يوم الاثنين عن سبب عدم فرضه عقوبات أكثر صرامة على الفور، أجاب: لماذا قد أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟.

وبدلاً من ذلك، قد تتيح الدبلوماسية الحذرة تقديم مساعدة صينية هادئة في تهدئة الوضع، من خلال العمل خلف الكواليس للضغط بصورة أكبر على إيران، انطلاقاً من المصالح الصينية الأوسع في منطقة الخليج وتدفقات الطاقة.

احتياطي رابع آخذ في النفاد: الوقت السياسي

تواجه إدارة ترامب احتياطياً رابعاً آخذًا في الاستنزاف، وهو الوقت السياسي.

فالانتخابات النصفية تقترب بعد عشرة أسابيع، وقد تسفر نتائجها عن انقسام في الحكومة، وتحقيقات في الكونغرس، ونزاعات قد تكون مشلّة حول صلاحيات الحرب والإنفاق.

وبعد ذلك بوقت قصير، ستبدأ الحملة الرئاسية لعام 2028، وقد تكون الانتخابات الأكثر أهمية منذ نهاية الحرب الباردة.

ولن تحدد هذه الانتخابات فقط من سيخلف ترامب، بل ستحدد أيضاً ما إذا كان أي من الحزبين قادراً على تقديم تصور مستدام للقيادة الأميركية، إلى جانب الموارد المالية والقدرات العسكرية والإرادة السياسية والحلفاء اللازمين لدعمها.

*المجلس الاطلسي

س ع

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً