بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
حقوق الانسان

تشدد الهجرة يضع السويد أمام مفارقة نقص العاملين في قطاع الصحة

قبل أيام من الانتخابات العامة في السويد، تعود الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي، لكن هذه المرة من زاوية تكشف مفارقة متزايدة، إذ تشدد البلاد قواعد اللجوء والإقامة والهجرة العمالية، بينما يعتمد قطاع الرعاية الصحية بصورة متزايدة على العاملين المولودين خارج السويد.

وأثار تشديد سياسة الهجرة مخاوف في قطاع الصحة، الذي يواجه نقصاً في الكوادر، فيما يحذر أطباء ومديرو مستشفيات من أن القواعد الجديدة قد تجعل من الصعب الاحتفاظ بالعاملين الذين تحتاج إليهم البلاد.

وفي مستشفى مجموعة "NU" بمدينة ترولهيتان جنوب السويد، قالت الممرضة يوهانا بيوركمان لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP) إن معظم زملائها مولودون خارج البلاد، مضيفةً أن بعض العمليات الطبية لم تكن لتُجرى لولا وجودهم.

وتبرز الظاهرة بصورة أوضح في قسم أمراض القلب بالمستشفى نفسه، حيث قال الطبيب الاختصاصي الأول داوود جاويد إن ثلاثة من أصل أربعة أطباء في الوحدة مولودون خارج السويد.

وعلى المستوى الوطني، تظهر بيانات جمعية السلطات المحلية والمناطق السويدية (SKR) لعام 2024 اعتماد قطاع الرعاية الصحية على المهاجرين، إذ وُلد 37 بالمئة من الأطباء الاختصاصيين خارج البلاد، فيما بلغت نسبة مساعدي التمريض المولودين في الخارج 53 بالمئة.

تحول كبير في سياسة الهجرة

وتعد السويد من أبرز الدول الأوروبية التي انتقلت خلال السنوات الأخيرة من سياسة هجرة أكثر انفتاحاً إلى نهج أكثر تشدداً، خصوصاً منذ أزمة الهجرة عام 2015، عندما استقبلت نحو 163 ألف طالب لجوء.

ومنذ ذلك الحين، اتخذت حكومات متعاقبة إجراءات للحد من الهجرة، فيما تراجعت أعداد طالبي اللجوء بصورة حادة مقارنة بمستويات عام 2015، لكن الملف ظل حاضراً بقوة في النقاش السياسي، وانتقل تدريجياً من قضية إنسانية إلى ملف يرتبط بالأمن والاندماج والجريمة ومستقبل دولة الرفاه.

ومنذ تولي حكومة رئيس الوزراء أولف كريسترسون السلطة في عام 2022، أصبحت سياسة الحد من الهجرة إحدى ركائز التعاون مع حزب ديمقراطيي السويد، الذي يقدم دعماً برلمانياً للحكومة.

ولم يعد التشدد مقتصراً على طالبي اللجوء، بل امتد إلى الهجرة العمالية ولم شمل الأسر والإقامة الدائمة والحصول على الجنسية.

وفي عام 2026، دخلت قواعد جديدة للهجرة العمالية حيز التنفيذ، من بينها رفع الحد الأدنى للدخل المطلوب للحصول على تصريح عمل إلى ما يعادل 90 بالمئة من متوسط الأجر في السويد، إلى جانب إجراءات تستهدف الحد من استغلال نظام تصاريح العمل والاحتيال.

وفي المقابل، أبقت الحكومة على بعض الاستثناءات، مؤكدةً رغبتها في أن تظل السويد وجهة جاذبة للباحثين وطلاب الدكتوراه وأصحاب الخبرات والمهارات المطلوبة.

المستشفيات تحتاج إلى عمال بأجور أقل

لكن هذه السياسة تواجه اختباراً في القطاعات التي لا تعتمد فقط على أصحاب المؤهلات العالية والرواتب المرتفعة، بل تحتاج إلى أعداد كبيرة من العاملين، خصوصاً في التمريض ورعاية المسنين والخدمات الصحية المساندة.

وقال مدير مستشفى مجموعة "NU"، بيورن ياربور، لوكالة الأنباء الفرنسية إن التحدي الذي يواجه القطاع لم يعد مرتبطاً بالتمويل بالدرجة نفسها التي يرتبط بها بالعثور على الموظفين الذين يمتلكون المهارات المطلوبة.

وأضاف أن زيادة عدد الممرضين ستتيح للمستشفى فتح مزيد من الأسرّة أمام المرضى، في وقت يتقدم فيه السكان في السن ويتزايد الطلب على خدمات الرعاية الصحية ورعاية المسنين.

وتتزايد المخاوف أيضاً بشأن العاملين الذين قد لا تصل أجورهم إلى الحد المطلوب للحصول على تصاريح العمل، وهو ما يضع قطاعات الصحة والرعاية أمام معادلة صعبة: فالسويد تسعى إلى جذب أصحاب "المواهب والكفاءات"، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى أعداد كبيرة من العاملين في وظائف لا تصنف بالضرورة ضمن الأعلى أجراً.

وفي أبريل نيسان 2025، ألغت السويد نظام "تغيير المسار"، الذي كان يسمح في ظروف معينة لطالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم وسبق لهم العمل في البلاد بالتقدم من داخل السويد للحصول على تصريح إقامة على أساس العمل. وأصبح الأصل منذ ذلك الحين أن يغادر هؤلاء البلاد ويتقدموا بطلبات تصاريح العمل من الخارج.

سياسات الترحيل تثير انتقادات

وأصبح الطبيب داوود جاويد، الذي وصل إلى السويد من إيران في ثمانينيات القرن الماضي، أحد الأصوات المنتقدة لسياسة الهجرة بعد ترحيل ابنتي شقيقه، البالغتين 21 و24 عاماً، رغم أنهما عاشتا في السويد ثماني سنوات وكانتا تدرسان لتصبحا ممرضتين.

وأثارت القضية اهتماماً واسعاً في السويد، باعتبارها مثالاً على حالات أشخاص وصلوا إلى البلاد في سن مبكرة ثم واجهوا خطر الترحيل بعد بلوغهم سن الرشد نتيجة عدم استيفائهم شروط الإقامة.

ويرى جاويد أن تداعيات هذه السياسات لا تقتصر على المهاجرين، بل تمتد إلى أسرهم وإلى المجتمع الذي استثمر في تعليمهم واندماجهم.

وقال لوكالة الأنباء الفرنسية: "الفرد هو من يدفع الثمن، والأسرة تتمزق، والمجتمع هو من يدفع الثمن في نهاية المطاف".

كما انتقد تركيز النقاش السياسي حول الهجرة على الجريمة، بدلاً من النظر بصورة أكبر إلى مساهمة المهاجرين في المجتمع وسوق العمل.

الانتخابات أمام معادلة صعبة

وتأتي هذه التطورات قبل الانتخابات العامة المقررة في السويد في 13 سبتمبر أيلول، حيث تتنافس الكتل السياسية على ملفات تشمل الهجرة والجريمة والرعاية الصحية والاقتصاد.

وتضع الانتخابات قضية الهجرة أمام معادلة يصعب تجاهلها: فالحكومة تسعى إلى خفض أعداد المهاجرين وتشديد شروط الإقامة والعمل وتسريع عودة من لا يملكون حق البقاء، بينما تواجه البلاد في الوقت نفسه نقصاً في العاملين في قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصحة والرعاية الاجتماعية.

وبينما تظل الهجرة أحد أبرز الملفات السياسية في السويد، تكشف المستشفيات عن جانب آخر من القضية، يتمثل في اعتمادها المتزايد على العمال المولودين خارج البلاد، ما يجعل قدرة الحكومة على الموازنة بين تشديد قواعد الهجرة والحفاظ على الكوادر اللازمة للاقتصاد والخدمات العامة أحد التحديات الرئيسية في المرحلة المقبلة.

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً