قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن القوات الإسرائيلية استخدمت ذخائر الفوسفور الأبيض 23 مرة في لبنان بين مارس/آذار ومايو/أيار من العام الجاري، داعية إلى إقرار قواعد دولية أكثر صرامة للحد من استخدام هذه الذخائر وسد الثغرات القانونية التي تحكمها.
وقالت المنظمة في تقرير أعدته بالتعاون مع العيادة الدولية لحقوق الإنسان في كلية الحقوق بجامعة هارفرد ونشرته على موقعها، إن تكرار استخدام الفوسفور الأبيض في لبنان يبرز الحاجة إلى تحرك دولي أوسع للتعامل مع آثاره الإنسانية.
وحمل التقرير، المؤلف من 45 صفحة، عنوان "حروق خارج السيطرة: الآثار اللاإنسانية لذخائر الفوسفور الأبيض والحاجة إلى قانون أقوى"، ودعا الدول إلى طرح القضية خلال اجتماعات نزع السلاح التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
أضرار طويلة الأمد
وثق التقرير استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض في عدد من النزاعات منذ عام 2000، بينها العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة عامي 2008-2009 و2023، واستخدام القوات الإثيوبية لهذه الذخائر في الصومال عام 2007، وقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان بين عامي 2005 و2011، والولايات المتحدة في العراق عام 2004.
وقالت بوني دوكيرتي، مستشارة الأسلحة في هيومن رايتس ووتش والمحاضرة في العيادة الدولية لحقوق الإنسان بجامعة هارفرد، إن هذه الذخائر تسبب حروقا شديدة، فضلا عن آثار جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية يمكن أن تستمر مدى الحياة.
وأضافت أن على الدول إدانة استمرار استخدام الفوسفور الأبيض، والدفع باتجاه مزيد من المحادثات الدولية بشأنه، وضمان أن يعالج القانون الدولي التكلفة البشرية الناجمة عن هذه الذخائر.
ثغرات في القانون الدولي
وقالت هيومن رايتس ووتش والعيادة الدولية لحقوق الإنسان إن طبيعة استخدام الفوسفور الأبيض فوق المناطق المأهولة بالسكان تثير مخاوف بشأن مدى كفاية القواعد الدولية القائمة، مشيرتين إلى أن هذه الذخائر يمكن أن تتسبب في أضرار واسعة النطاق ولا تميز بطبيعتها بين المقاتلين والمدنيين.
وأشار التقرير إلى أن البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية لعام 1980 يعرف الأسلحة الحارقة بأنها الأسلحة المصممة أساسا لإشعال الحرائق أو التسبب في حروق للأشخاص، لكنه يستثني الأسلحة المصممة لأغراض أخرى، حتى عندما تكون لها تأثيرات حارقة مماثلة.
وأضاف أن هذا الاستثناء ينطبق على ذخائر الفوسفور الأبيض، التي تستخدم أساسا لأغراض مثل إخفاء التحركات العسكرية أو إضاءة مناطق العمليات، رغم آثارها الحارقة.
كما أوضح التقرير أن الفوسفور الأبيض لا يصنف سلاحا كيميائيا بموجب اتفاقية الأسلحة الكيميائية، لأن تأثيره الأساسي في الاستخدام محل البحث يرتبط بخصائصه الحارقة وليس بسميته الكيميائية.
إصابات بالغة وصعبة العلاج
وقالت المنظمتان إنهما قيّمتا آثار ذخائر الفوسفور الأبيض في ضوء "شرط مارتنز"، وهو مبدأ في القانون الدولي الإنساني ينص على استمرار حماية المدنيين والمقاتلين بموجب مبادئ الإنسانية ومقتضيات الضمير العام في الحالات التي لا تغطيها معاهدة محددة.
وخلص التقرير إلى أن الإصابات التي تسببها هذه الذخائر، ولا سيما الحروق العميقة والصعبة العلاج، تثير تساؤلات بشأن توافق استخدامها مع مبادئ الإنسانية.
وأشار إلى أن الفوسفور الأبيض يمكن أن يتسبب في حروق تصل إلى العظم، كما يمكن لجزيئاته التي تبقى داخل الجروح أن تعاود الاشتعال عند تعرضها للأكسجين، بما يزيد من صعوبة علاج المصابين.
دعوة إلى تشديد القواعد
وقالت هيومن رايتس ووتش والعيادة الدولية لحقوق الإنسان إن مواقف دول ومنظمات دولية وأطباء ومؤسسات مدنية بشأن الأضرار الناجمة عن الفوسفور الأبيض تعزز الحاجة إلى وضع قواعد دولية أكثر وضوحا وصرامة بشأن استخدامه.
وقالت دوكيرتي: "عبّر دبلوماسيون وأطباء ومحققون أمميون وغيرهم عن غضبهم من الإصابات القاسية التي تسببها ذخائر الفوسفور الأبيض، واعتمدت الدول معاهدات بشأن الغازات السامة وأسلحة الليزر المسببة للعمى لأنها لاإنسانية وتتنافى مع الضمير العام، وينبغي لها أن تفعل الأمر نفسه إزاء ذخائر الفوسفور الأبيض".
وأشار التقرير إلى أن المناقشات المتعلقة بهذه الذخائر تجري بصورة رئيسية في إطار اتفاقية الأسلحة التقليدية، لكن اشتراط التوافق في اجتماعات الاتفاقية أدى إلى عرقلة مقترحات لإجراء مناقشات مخصصة بشأن الآثار الإنسانية للأسلحة الحارقة.
ودعت هيومن رايتس ووتش الدول المؤيدة لاتخاذ إجراءات بشأن الفوسفور الأبيض إلى طرح القضية خلال مؤتمر المراجعة الخماسي لاتفاقية الأسلحة التقليدية، المقرر عقده في جنيف بين 16 و20 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
وقالت دوكيرتي إن الهدف النهائي ينبغي أن يكون اعتماد قانون دولي قوي يسد الثغرات الحالية ويقيد استخدام ذخائر الفوسفور الأبيض، معتبرة أن الحظر الكامل لإنتاجها ونقلها واستخدامها سيكون الإجراء الذي يحقق أكبر فائدة إنسانية.
أضف تعليقاً