يتصاعد الخلاف داخل الائتلاف الحاكم في ألمانيا بشأن مقترح لإدراج التكيف مع تغير المناخ وحماية الطبيعة في القانون الأساسي، بالتزامن مع موجات حر وجفاف تضغط على الصحة العامة وسلاسل الإمداد وتخفض مناسيب نهر الراين.
وبحسب تقرير نشرته شبكة "يورونيوز"، أعدته أنجيلا سيمونز بالتعاون مع وكالة فرانس برس "AFP"، فإن المبادرة التي طرحها وزراء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي "SPD" واجهت رفضاً داخل الحكومة في 17 أغسطس، وسط خلافات مع المحافظين بشأن الكلفة المالية والآثار الإدارية لأي التزامات دستورية جديدة.
ويطالب وزراء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي بتكريس "التكيف مع المناخ والحفاظ على الطبيعة" في القانون الأساسي، إلى جانب تعديل قواعد التخطيط الحضري والبناء ووضع تشريعات تتعلق بظروف العمل خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة.
وقال وزير البيئة الألماني كارستن شنايدر إن أزمة المناخ أصبحت "واقعاً ملموساً"، معتبراً أن القوانين الحالية تحد من قدرة وزارته على التعامل مع تداعياتها.
ويأتي الجدل السياسي فيما تواجه ألمانيا تداعيات مباشرة للطقس المتطرف؛ إذ أشار تقرير "يورونيوز" إلى تسجيل نحو 12,500 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة منذ بداية عام 2026، فيما اضطرت السلطات إلى تخفيف قيود مؤقتة على قيادة الشاحنات للتعامل مع الضغوط التي تواجه سلاسل الإمداد نتيجة انخفاض مستويات المياه في نهر الراين.
وتحذر أوساط علمية من أن الاحترار العالمي يؤدي إلى تفاقم موجات الجفاف وحرائق الغابات، ويزيد من احتمالات انخفاض مناسيب الأنهار وتهديد المحاصيل، وهي تداعيات تكتسب أهمية اقتصادية خاصة في ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا.
خلاف داخل الائتلاف
وتواجه المبادرة تحفظات من جانب الاتحاد الديمقراطي المسيحي "CDU" والاتحاد الاجتماعي المسيحي "CSU"، الشريكين المحافظين في الائتلاف بقيادة المستشار فريدريش ميرتس.
وأعرب نائب رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد الديمقراطي المسيحي كلاوس ماك عن مخاوف بشأن التداعيات المالية والعقبات الإدارية، فيما قال المتحدث باسم سياسة المناخ في الحزب مارك هيلفريش لموقع "بوليتكو" إن المحافظين "غير مقتنعين" بمقترح الاشتراكيين بشأن تمويل مشترك جديد للإجراءات المناخية على المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية.
ويحتاج تعديل القانون الأساسي الألماني إلى أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، ما يجعل دعم المحافظين شرطاً أساسياً لتمرير المقترح.
في المقابل، حظيت المبادرة بدعم من منظمات بيئية وحزب الخضر المعارض، الذي يؤيد تعزيز الإجراءات المناخية، بينما رفضها حزب "دي لينكه" ووصفها بأنها "وعود فارغة"، في حين يعارضها حزب "البديل من أجل ألمانيا" "AfD" بشكل قاطع.
وقالت رئيسة منظمة "العمل البيئي ألمانيا" "DUH"، باربرا ميتس، إن الصيف الحالي، الذي شهد ظواهر مناخية قصوى، يثبت أن ألمانيا ليست مستعدة بالشكل الكافي لموجات الحر التي تتزايد حدتها وتواترها نتيجة أزمة المناخ.
ضغوط على الالتزامات المناخية
ولا يقتصر الخلاف على المقترح الدستوري، إذ تواجه حكومة ميرتس انتقادات بشأن مدى التزامها بأهداف خفض الانبعاثات.
وذكر التقرير أن لجنة خبراء توقعت في مايو أن تفشل ألمانيا في تحقيق أهداف خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري لعام 2030 المنصوص عليها في القانون.
كما رفعت منظمة "العمل البيئي ألمانيا" دعوى ضد خطة العمل المناخي للحكومة الحالية، بعد أن سبق لها الفوز بقضية ضد الحكومة السابقة بشأن عدم كفاية خطتها المناخية.
ويأتي ذلك بينما يسعى ميرتس إلى دعم الاقتصاد الألماني من خلال خفض البيروقراطية وتكاليف الطاقة، الأمر الذي يزيد من صعوبة الموازنة بين متطلبات التحول المناخي والضغوط الاقتصادية.
نقاش أوروبي أوسع
ولا يقتصر النقاش على ألمانيا، إذ تشهد دول أوروبية أخرى تحركات للتعامل مع التداعيات المتزايدة للطقس المتطرف.
وفي إسبانيا، كشفت حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانتشيث في يونيو عن برنامج لتعزيز "القدرة على الصمود في مواجهة موجات الحر والفيضانات والجفاف وغيرها من المخاطر التي يسببها تغير المناخ"، ويتضمن إنشاء شبكة وطنية من الملاجئ المناخية وزيادة المساحات الخضراء في المدن.
ويضع الجدل الألماني حماية المناخ أمام اختبار سياسي ودستوري، في وقت باتت فيه تداعيات الحرارة والجفاف وانخفاض المياه تتجاوز النقاش البيئي لتلامس الصحة والاقتصاد والبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
أضف تعليقاً