دعت منظمة العفو الدولية الحكومة العراقية إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية لمعالجة ملفات حقوق الإنسان، معتبرة أن الأشهر الثلاثة الأولى من البرنامج الحكومي الجديد لم تشهد سوى تقدم محدود في تنفيذ التعهدات المتعلقة بإنهاء الإفلات من العقاب وحماية النساء والحريات العامة.
وقالت المنظمة، في رسالة مفتوحة وجهتها إلى رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بمناسبة مرور ثلاثة أشهر على إقرار البرنامج الحكومي للفترة 2026-2029، إن الحكومة أمام فرصة "لرسم مسار جديد" في التعامل مع انتهاكات تراكمت على مدى سنوات، ولا سيما ما يتعلق بالاختفاء القسري والتعذيب وحرية التعبير والعنف ضد النساء وظروف الاحتجاز.
وبحسب المنظمة، فإن البرنامج الحكومي الذي أُطلق في 14 مايو/أيار 2026 تضمن التزامات بتعزيز حقوق الإنسان وتمكين النساء ودعم منظمات المجتمع المدني المستقلة، لكنها ترى أن ترجمة هذه التعهدات إلى إجراءات ملموسة لا تزال محدودة.
وفي ملف حقوق النساء، قالت العفو الدولية إن الناجيات من العنف ما زلن يواجهن نقصاً في الحماية القانونية وآليات الإنصاف، في وقت لا يزال فيه مشروع قانون العنف الأسري، المطروح للنقاش منذ أكثر من عقد، عالقاً في البرلمان.
وانتقدت المنظمة كذلك تعديلات قانون الأحوال الشخصية المعتمدة في أغسطس/آب 2025، معتبرة أن الأحكام المستندة إلى الفقه الجعفري فيها تقوض، من وجهة نظرها، حق النساء والفتيات في المساواة أمام القانون.
ويمتد القلق، وفق المنظمة، إلى الحيز المدني وحرية التعبير، إذ قالت إن صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان يواجهون الترهيب والملاحقات القضائية والاعتداءات بسبب نشاطهم، فضلاً عن تعرض متظاهرين للاحتجاز واستخدام القوة خلال احتجاجات تطالب بالخدمات والحقوق الأساسية.
واستشهدت العفو الدولية بالاحتجاجات التي شهدتها مدينة الكوت خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2026 على خلفية انقطاع الكهرباء، وقالت إن متظاهرين سلميين واجهوا استخداماً غير مشروع للقوة من جانب قوات الأمن.
وقالت الباحثة المعنية بشؤون العراق في منظمة العفو الدولية رازاو صاليي إن على الحكومة إعطاء الأولوية لتشريع شامل لمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والتحقيق في الاعتداءات التي تستهدف النشطاء، إلى جانب حماية حرية التعبير ورفع القيود عن وسائل الإعلام المستقلة.
وسلطت المنظمة الضوء على ما وصفته بتصاعد الاعتداءات ضد العاملين في المجال الحقوقي خلال النصف الأول من العام الجاري، مشيرة إلى اغتيال الناشطة ينار محمد في بغداد في الثاني من مارس/آذار، ومحاولة اغتيال ناشط آخر في محافظة بابل في 21 أبريل/نيسان.
وقالت إن السلطات أعلنت فتح تحقيقات في بعض تلك الحوادث، لكنها أشارت إلى عدم نشر معلومات عن النتائج التي توصلت إليها حتى الآن.
وفي موازاة ذلك، انتقدت المنظمة استخدام قواعد وصفتها بأنها مبهمة بشأن "المحتوى الهابط"، فضلاً عن القيود المفروضة على بعض وسائل الإعلام وما قالت إنه استخدام لـ"مذكرات الاعتقال غير المنفذة" وسيلةً للضغط والترهيب.
ويمثل ملف السجون أحد أبرز محاور الرسالة، إذ تحدثت المنظمة عن اكتظاظ ورداءة في المرافق الصحية ونقص في خدمات الرعاية الطبية، وقالت إن عائلات محتجزين أبلغت بصورة متكررة عن تعرض ذويها لسوء المعاملة أو تأخير حصولهم على العلاج.
كما أعادت العفو الدولية إثارة ملف عقوبة الإعدام، وقالت إن آلاف الأشخاص، غالبيتهم مدانون في قضايا مرتبطة بالإرهاب، ما زالوا عرضة لتنفيذ أحكام الإعدام، في ظل ما تقول المنظمة إنها انتهاكات موثقة لضمانات المحاكمة العادلة.
وطالبت المنظمة الحكومة بإقرار وقف رسمي وفوري لعمليات الإعدام، إلى جانب التحقيق في ادعاءات التعذيب وضمان حصول الناجين على العدالة والإنصاف.
ويبرز الاختفاء القسري بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً في التقرير، إذ قالت المنظمة إن آلاف العائلات ما زالت تنتظر معرفة مصير أقارب اختفوا خلال مراحل مختلفة من الصراعات التي شهدها العراق.
وأشارت على وجه الخصوص إلى قضية ما لا يقل عن 643 رجلاً وفتى قالت إنهم اختُطفوا من بلدة الصقلاوية في محافظة الأنبار عام 2016 خلال العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش"، ولا يزال مصيرهم مجهولاً بعد مرور نحو عقد.
وربطت المنظمة استمرار هذه الملفات بما وصفته بـ"الإفلات النظمي من العقاب"، مستعيدةً ملف الاحتجاجات العراقية في عام 2019، إذ ترى أن السلطات لم تحقق حتى الآن المساءلة الكافية عن عمليات القتل والانتهاكات التي رافقت احتجاجات تشرين.
أضف تعليقاً