بحث

سياسة الخصوصية

نستخدم ملفات تعريف الارتباط لضمان أفضل تجربة ممكنة. باستمرارك في التصفح فإنك توافق على سياسة الخصوصية و الشروط والأحكام.

الكل العراق العالم العربي العالم مجتمع الاقتصاد والتنمية مرصد الذكاء الاصطناعي الرياضة منوعات الرأي والتحليل الوسائط
مرصد الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي يدخل قاعات المناقشة.. الجامعات العراقية أمام اختبار النزاهة العلمية

لم يعد الجدل بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في الجامعات العراقية مقتصراً على الطلاب الذين يستعينون بالأدوات الرقمية في كتابة بحوثهم ورسائلهم وأطاريحهم، بل امتد إلى الطرف الآخر من العملية الأكاديمية، بعدما أثارت دعوة إلى الحد من استخدام النسخ الإلكترونية للأطاريح تساؤلات بشأن إمكانية استعانة بعض أعضاء لجان المناقشة بأدوات الذكاء الاصطناعي في قراءة البحوث واستخراج الملاحظات منها.

وأثار منشور للأكاديمي الأستاذ الدكتور أحمد عبد الله ناهي، أحد تدريسيي جامعة النهرين، نقاشاً على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما دعا الأقسام العلمية في الجامعات إلى عدم إرسال نسخ الرسائل والأطاريح إلى أعضاء لجان المناقشة بصيغتي PDF أو Word، والاكتفاء بالنسخ الورقية.

وبرر ناهي دعوته بمخاوف من أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصراً على الطلبة، وإنما امتد، بحسب ما ذكر، إلى استخدام بعض الأساتذة المناقشين هذه الأدوات لاستخراج الملاحظات والأخطاء من الرسائل والأطاريح وقراءتها أثناء جلسات المناقشة.

وقال ناهي: "كنا سابقاً نخشى أن يكتب الطالب رسالته أو أطروحته بالذكاء الاصطناعي، أما أن يستخدم الأستاذ المناقش الذكاء الاصطناعي لاستخراج الملاحظات والأخطاء في الرسالة والأطروحة ويقرؤها في أثناء المناقشة، فكان فوق تخيلنا في الحقيقة".

وأضاف، أن الاكتفاء بالنسخة الورقية "قد يكون خطوة للحد من هذه الممارسات"، داعياً الأقسام العلمية إلى مناقشة القضية ووضع ضوابط مناسبة.

من أداة مساعدة إلى طرف في العملية الأكاديمية

يعكس الجدل تحولاً أوسع في علاقة الجامعات بالذكاء الاصطناعي. فالأداة التي بدأت بوصفها وسيلة مساعدة في البحث والكتابة والترجمة والوصول إلى المعلومات، باتت قادرة على تحليل كميات كبيرة من النصوص خلال وقت قصير، الأمر الذي يفتح الباب أمام استخدامها في مراحل مختلفة من العملية الأكاديمية.

لكن هذا الاستخدام يطرح سؤالاً مختلفاً عندما يتعلق الأمر بالرسائل والأطاريح الجامعية: أين ينتهي الاستخدام المساعد للتقنية، وأين تبدأ عملية إحلال الأداة محل الباحث أو الأستاذ؟

ويرى الأكاديمي والأستاذ الجامعي الدكتور جواد الزيدي أن الموقف من الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقوم على رفض التقنية بحد ذاتها، لكنه يحذر من استخدامها خارج الأطر المهنية والأخلاقية.

وقال الزيدي إن "من أهم التوصلات هو الذكاء الاصطناعي الذي بدأ استخدامه خارج الاشتراطات المهنية والأخلاقية، وهو توليف نصوص تصل إلى مستوى الأطاريح والرسائل العلمية"، مشيراً إلى أن هذه الممارسات "مكشوفة من قبل بعض الأساتذة وليس الكل".

ويعتقد الزيدي أن استخدام الذكاء الاصطناعي من قبل المناقشين في قراءة البحوث واستخراج الملاحظات يثير إشكالية تتعلق بالمسؤولية العلمية، معتبراً أن المعيار الأخلاقي في هذا المجال يرتبط بالضمير والمهنية والعلمية، إلى جانب الحاجة إلى ضوابط واضحة ورادعة.

ويضيف أن الدعوة إلى الحد من استخدام النسخ الإلكترونية تأتي في سياق محاولة لتحجيم الخطأ، معتبراً أن المشكلة ترتبط أيضاً بالاستسهال في منح الشهادات العلمية، ومشدداً على ضرورة وضع ضوابط تنطبق على جميع أطراف العملية الأكاديمية.

قيمة المناقشة تحت الاختبار

وتقول مدير قسم الإعلام والاتصال الحكومي في رئاسة جامعة النهرين، الدكتورة هند سعيد أسود، إن دعوة ناهي تهدف إلى الحفاظ على "جوهر المناقشة العلمية"، الذي يقوم على تراكم الخبرة والمعرفة والتفكير في الاختصاص.

وتوضح أسود أن المناقش لا يبحث فقط عن أخطاء لغوية أو معلوماتية في الرسالة أو الأطروحة، وإنما يفترض أن يقرأ البحث بصورة منهجية وتخصصية متكاملة.

وقالت إن اعتماد النسخة الورقية في قراءة البحوث قبل المناقشة يمكن أن يجعل الأستاذ "أكثر ارتباطاً بالنص أثناء القراءة وتدوين ملاحظاته بنفسه".

وترى أن القيمة الحقيقية للمناقشة لا تكمن في عدد الملاحظات التي يمكن استخراجها، وإنما في طبيعتها وقدرة المناقش على تفسيرها ومناقشتها مع الباحث.

وتوضح أن البحث في تخصص الإعلام، على سبيل المثال، يتطلب من المناقش النظر في متغيرات الدراسة وعلاقتها بمشكلة البحث وأهدافه وتساؤلاته وفروضه، فضلاً عن مجتمع البحث والعينة والمنهج والنظرية وكيفية توظيفها، وبناء أداة البحث، ومدى ارتباط النتائج بالأهداف والتساؤلات، وصولاً إلى الاستنتاجات.

وتقول أسود إن هذه التفاصيل "تحتاج إلى فهم تخصصي وخبرة تراكمية، وليست مجرد ملاحظات يمكن استخراجها آلياً".

ومع ذلك، لا ترى أسود مشكلة في استخدام الأستاذ الجامعي أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض المهام المساعدة، مثل البحث عن مصدر أو توضيح مصطلح أو معلومة، لكنها تفرق بين هذا الاستخدام وبين إسناد قراءة الرسالة أو الأطروحة بالكامل إلى الأداة ثم عرض مخرجاتها خلال جلسة المناقشة.

وبحسب أسود، فإن الحالة الأخيرة قد تلغي جزءاً من المسؤولية العلمية للمناقش، لأن قيمة المناقشة تقوم أساساً على خبرة الأستاذ وقدرته على اكتشاف مواطن الخلل التي قد لا تظهر للأداة، خصوصاً في الجوانب المنهجية والتخصصية.

الطالب ليس وحده في دائرة الجدل

ولا يقتصر النقاش على أعضاء لجان المناقشة. فقد أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي من جانب طلبة الدراسات العليا موضع تدقيق متزايد، في ظل انتشار أدوات قادرة على توليد النصوص وإعادة صياغتها وتلخيصها والبحث عن المعلومات.

وتظهر على منصات التواصل الاجتماعي مواد مرئية تناقش كيفية تعامل الطلبة مع هذه الأدوات، فيما تعبر بعض اللجان الأكاديمية عن رفضها لاستخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة أجزاء من الأطروحات.

وفي إحدى المناقشات المصورة، عبرت رئيسة لجنة مناقشة أطروحة الدكتوراه، الأستاذة الدكتورة ميادة أحمد الجدة، عن استيائها من استخدام بعض الطلبة برامج الذكاء الاصطناعي في كتابة أطروحاتهم.

وفي المقابل، تبدو مواقف طلبة الدراسات العليا متفاوتة. وتقول الطالبة هديل حازم إنها قد "أستعين بالذكاء الاصطناعي للبحث عن مصادر، لكن لا يمكن الاعتماد عليه كلياً. وهذا أمر مرفوض بشكل قاطع".

أين توضع الحدود؟

تكشف هذه المواقف عن معضلة يصعب حسمها بمجرد السماح بالذكاء الاصطناعي أو منعه. فالأداة نفسها يمكن أن تستخدم للبحث عن مصدر أو تدقيق صياغة، ويمكن في المقابل أن تتحول إلى وسيلة لإنتاج أجزاء أساسية من بحث علمي أو تحليل أطروحة يفترض أن يقرأها المناقش بنفسه.

ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه الجامعات لم يعد يتعلق بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل العملية الأكاديمية، بل بكيفية دخوله ومن يتحمل مسؤولية استخدامه.

فالمنع الكامل قد يصطدم بواقع التطور التقني واتساع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، بينما ترك استخدامها من دون قواعد قد يفتح الباب أمام إضعاف المسؤولية الفردية للباحث والمشرف والمناقش على حد سواء.

وبينما يرى بعض الأكاديميين أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من مسار التطور التقني الذي يصعب تجاهله، يصر آخرون على أن استخدامه يجب أن يبقى في إطار المساعدة، لا أن يتحول إلى بديل عن التفكير والقراءة والتحليل والخبرة الأكاديمية.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان البحث قد مر عبر أداة للذكاء الاصطناعي، بل ما إذا كان الطالب قادراً على الدفاع عن أفكاره، وما إذا كان المشرف والمناقش قد أديا دورهما العلمي كاملاً، وما إذا كانت التكنولوجيا قد عززت جودة البحث أم اختصرت الطريق على حساب النزاهة العلمية.


*الجريدة الرسمية، وكالات، وسائل التواصل الاجتماعي

التعليقات (0)

كن أول من يكتب تعليقاً.

أضف تعليقاً