قبل آلاف السنين من ظهور المدرسة بصورتها الحديثة، عرفت بلاد الرافدين نظاماً منظماً لتعليم الكتابة والحساب وإعداد الكتبة، ترك وراءه آلاف الألواح الطينية التي تتيح اليوم إعادة بناء جانب من حياة الطالب والمعلم والمناهج التي كانت تدرس في العراق القديم.
ويشير عالم السومريات صموئيل نوح كريمر في كتابه "History Begins at Sumer" أو "التاريخ يبدأ من سومر" إلى أن الحضارة السومرية قدمت واحداً من أقدم أنظمة التعليم الرسمي المعروفة، وخصص في كتابه فصولاً مستقلة للمدرسة والتعليم والحياة اليومية للطلاب.
وكانت المدرسة السومرية تعرف باسم "إيدوبا" Edubba، وتعني "بيت الألواح"، في إشارة إلى الألواح الطينية التي استخدمها الطلاب للكتابة والتدريب، إذ ارتبط ظهور هذا النظام بالحاجة إلى إعداد كتبة قادرين على إدارة النشاط الاقتصادي والإداري المتنامي في مدن بلاد الرافدين.
وتظهر المصادر المتعلقة بالتعليم في بلاد الرافدين أن الطالب كان يبدأ بتعلم المهارات الأساسية للكتابة المسمارية، عبر تشكيل العلامات على الطين، قبل الانتقال تدريجياً إلى نسخ الكلمات والقوائم والنصوص الأكثر تعقيداً.
وتكشف مادة أدبية سومرية تعرف حديثاً باسم "Schooldays" أو "أيام المدرسة"، درسها وترجمها كريمر، جانباً لافتاً من الحياة التعليمية آنذاك، إذ تصف يوماً في حياة طالب يذهب إلى المدرسة ويقرأ لوحه ويعده ويكتب عليه، ثم يعود إلى منزله ويعرض ما تعلمه على والده.
وتشير الدراسات الحديثة للنصوص المدرسية إلى وجود تدرج واضح في عملية التعلم، يبدأ بإتقان العلامات المسمارية على الألواح الطينية، ثم ينتقل إلى مجموعات ونصوص أكثر صعوبة، وصولاً إلى مؤلفات أدبية معقدة كان على المتدرب إتقان نسخها ودراستها.
ولم تقتصر المعرفة التي ارتبطت بالكتبة على الكتابة وحدها، إذ امتدت إلى الحساب والرياضيات والسجلات الزراعية والإدارية والأدب والدين ومجالات معرفية أخرى، بما يتناسب مع الدور الواسع الذي كان يؤديه الكاتب في مؤسسات الدولة والمعبد والاقتصاد.
ويقدم عالم الحاسوب والرياضيات الأميركي دونالد كنوث، في دراسته الشهيرة "Ancient Babylonian Algorithms" المنشورة عام 1972، أدلة إضافية على المستوى الذي بلغته المعرفة الرياضية في بلاد الرافدين.
واعتمد كنوث على ألواح بابلية تعود بصورة رئيسة إلى الفترة البابلية القديمة، نحو 1800-1600 قبل الميلاد، موضحاً أن العراقيين القدماء استخدموا النظام الستيني في الحساب وطوروا إجراءات متسلسلة لحل مسائل رياضية معقدة.
وتكشف الألواح التي درسها كنوث مسائل تتعلق بالأطوال والمساحات والحجوم والحسابات العددية، وتعرض خطوات منظمة للوصول إلى الحل، وهو ما دفعه إلى دراسة هذه الإجراءات من منظور تاريخ الخوارزميات والحوسبة.
غير أن الصورة التاريخية للمدرسة الرافدينية تختلف في جوانب مهمة عن التصورات التربوية الحديثة. فالمصادر لا تقدم دليلاً كافياً على أن التعليم السومري كان مصمماً أساساً لبناء "الثقة النفسية للطفل" بالمفهوم المعاصر، كما لا يمكن الجزم بوجود نظام رسمي يقسم الطلاب إلى تخصصات وفق ميولهم على غرار المسارات التعليمية الحديثة.
بل تكشف نصوص الحياة المدرسية أيضاً وجهاً شديد الصرامة، إذ تتحدث عن العقاب والانضباط وضرورة الالتزام بأوامر المعلم وإتقان الكتابة، ما يجعل إسقاط النظريات التربوية المعاصرة بحذافيرها على مدرسة عاشت قبل آلاف السنين أمراً يحتاج إلى الحذر.
ومع ذلك، تقدم تجربة "بيت الألواح" دليلاً تاريخياً مهماً على أن بلاد الرافدين لم تكن مهد الكتابة فحسب، وإنما شهدت كذلك نشوء مؤسسات منظمة لنقل المعرفة وتدريب أجيال من الكتبة.
ويؤكد كتاب كريمر أن التعليم كان من المجالات البارزة في الحضارة السومرية، إلى جانب القانون والأدب والزراعة والطب والإدارة، فيما توفر الألواح المكتشفة سجلاً نادراً يسمح بمعرفة تفاصيل عملية التعلم نفسها.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في النقاش المعاصر بشأن التعليم في العراق، ليس بوصفها نموذجاً قديماً يمكن نقله حرفياً إلى مدارس القرن الحادي والعشرين، وإنما باعتبارها شاهداً على عمق العلاقة التاريخية بين المجتمع العراقي والتعليم المنظم وإنتاج المعرفة.
وبين ألواح الطين التي كان الطالب السومري يخط عليها علاماته الأولى والمدارس العراقية المعاصرة، تفصل آلاف السنين، لكن السؤال الذي تطرحه تلك التجربة لا يزال حاضراً: كيف يتحول التعليم من عملية لنقل المعلومات إلى وسيلة لبناء المعرفة والقدرة على استخدامها؟
ثقافة وفن
قبل آلاف السنين.. كيف أسس العراقيون القدماء واحداً من أقدم أنظمة التعليم؟
الوسوم
أخبار ذات صلة
التعليقات (0)
كن أول من يكتب تعليقاً.
أضف تعليقاً