قالت السلطات العراقية، اليوم السبت، إن قرارات التعيين واستحداث الدرجات الوظيفية ستتحدد في ضوء موازنة عام 2027، بينما أكدت الحكومة أن احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي لا تزال عند مستويات آمنة نسبياً، لكنها حذرت من أن استمرار تراجعها قد يضغط على الاستقرار المالي والنقدي.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه العراق تحديات مرتبطة باعتماده الكبير على إيرادات النفط، التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة وتدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب ارتفاع النفقات العامة والحاجة إلى تمويل الوظائف والمشروعات والخدمات.
وقال المتحدث باسم مجلس الخدمة العامة الاتحادي فاضل الغراوي، إن دور المجلس في ملف التعيينات يأتي ضمن الصلاحيات التي حددتها المادة التاسعة من قانون المجلس رقم 4 لسنة 2009 المعدل، وذلك بعد توفر المتطلبات القانونية والمالية اللازمة.
وأضاف أن تحديد أعداد الدرجات الوظيفية واستحداثها وتوفير التخصيصات المالية اللازمة لها "يرتبط بما تقرره الموازنة العامة لعام 2027 والجهات المختصة".
الاحتياطيات ما زالت آمنة نسبياً
وفي الملف النقدي، قال المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح إن احتياطيات العراق الأجنبية لا تزال ضمن مستويات آمنة نسبياً، لكنه دعا إلى مراقبة اتجاهها والحفاظ على هامش الأمان.
وأوضح أن صندوق النقد الدولي قدر إجمالي الاحتياطيات الأجنبية للعراق بنحو 79.2 مليار دولار لعام 2026، وفق تقديرات نشرها في 2025، بما يعادل نحو 9.6 أشهر من واردات السلع والخدمات، مشيراً إلى أن الاحتياطيات الحالية تقترب من هذا المستوى.
وقال صالح، إن تغطية أكثر من ستة أشهر من الواردات تعد، وفق مؤشرات كفاءة الاحتياطيات، مستوى آمناً نسبياً، لكنه حذر من أن الانخفاض المسجل خلال العام الحالي يستوجب مزيداً من المتابعة، خشية استمرار الاتجاه النزولي وتراجع هامش الأمان مستقبلاً.
وتوفر الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي العراقي قدرة على تلبية الطلب المشروع على الدولار ودعم استقرار سعر صرف الدينار، وهو ما يجعل مستوى الاحتياطيات عاملاً مهماً في الحفاظ على الاستقرار النقدي.
لكن صالح حذر من أن الاعتماد الكبير على النفط يمثل أحد أبرز مصادر المخاطر على الاقتصاد العراقي، إذ يمكن لأي تراجع في الإيرادات النفطية أن يخفض الإيرادات الحكومية وتدفقات النقد الأجنبي، وبالتالي يزيد الضغط على الاحتياطيات وسعر الصرف.
ودعا إلى الحفاظ على استقلالية السياسة النقدية للبنك المركزي، وعدم اللجوء بصورة مستمرة إلى الاحتياطيات الأجنبية أو التمويل النقدي لتغطية عجز الموازنة، محذراً من أن ذلك قد يؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات وزيادة الضغوط التضخمية.
وقال إن المعالجة المستدامة تتطلب ضبط الإنفاق الحكومي، خصوصاً النفقات الجارية، وتنمية الإيرادات غير النفطية، بالتزامن مع استخدام أدوات السياسة النقدية لإدارة السيولة والحفاظ على الاستقرار النقدي.
النفط الكردستاني يعود للإنتاج
وفي قطاع النفط، قال وزير الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان كمال محمد إن الوزارة ستلتزم بأي قرار يصدر عن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي بشأن ملف النفط، بعد اجتماعات مع لجنة النفط والغاز في مجلس النواب ووزارة النفط.
وقال الوزير إن إنتاج النفط في الإقليم استؤنف وعادت الشركات إلى العمل، باستثناء حقل سرسنك الذي تعرض لأضرار جراء عدة غارات بطائرات مسيرة ولم يستأنف الإنتاج بعد.
ويتراوح إنتاج الإقليم حالياً بين 220 ألفاً و230 ألف برميل يومياً، بحسب الوزير، مع تخصيص جزء من الإنتاج للاستهلاك المحلي.
وأضاف أن أزمة البنزين حُلت إلى حد كبير، لكن إكمال معالجة المشكلة يتطلب من الحكومة الاتحادية دفع حصة الإقليم، مشيراً إلى وجود خلاف بشأن كلفة تكرير النفط.
وقال محمد إن تكلفة تكرير النفط في المصافي التابعة للحكومة الاتحادية تقدر بنحو 5900 دينار، أو ما يقارب أربعة دولارات للبرميل، بينما تبلغ الكلفة بالنسبة إلى حكومة الإقليم نحو 16 دولاراً للبرميل.
وأشار إلى أن قدرة الإقليم الحالية على تكرير النفط تبلغ نحو 50 ألف برميل يومياً، مقابل طلب محلي يصل إلى 140 ألف برميل يومياً، داعياً إلى زيادة الطاقة التكريرية لتقليص فجوة الإمدادات.
ويمثل ملف النفط أحد أبرز الملفات المالية بين بغداد وأربيل، إذ يرتبط بتدفقات الإيرادات النفطية وتمويل النفقات العامة في الإقليم، فضلاً عن إمدادات الوقود للسوق المحلية.
الزيدي يوجه بتشديد الرقابة على المال العام
وفي إطار معالجة جانب آخر من المالية العامة، وجه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي هيئة النزاهة بتفعيل قانون مكافأة المخبرين عن حالات الفساد، وتقديم تقارير شهرية وفصلية عن جهود مكافحة الفساد ومستوى الإنجاز.
وجاءت التوجيهات خلال زيارة الزيدي إلى مقر هيئة النزاهة الاتحادية، حيث اطلع على آليات عملها وجهودها في مكافحة الفساد وحماية المال العام.
وأكد الزيدي أن دور الهيئة يجب ألا يقتصر على الرقابة، بل أن يشمل الجانب الوقائي، داعياً إلى متابعة مشاريع المحافظات أسوة بالمشاريع التابعة للوزارات.
ووجه بمتابعة المشاريع وفق ثلاثة مستويات تتناسب مع حجم المشروع وكلفته، تبدأ بالمشاريع ذات الكلف العالية، ثم المتوسطة، فالصغيرة، بهدف توجيه الجهد الرقابي بصورة أكثر فاعلية.
كما دعا إلى تعزيز الرقابة على المنافذ الحدودية وفضح المتورطين بالفساد، وتفعيل قانون مكافأة المخبرين، إلى جانب رفع تقارير دورية عن إجراءات مكافحة الفساد ونسب الإنجاز.
وقالت هيئة النزاهة إنها شكلت فرقاً ميدانية لتدقيق العقود في مؤسسات الدولة، وأنجزت تدقيق عقود ثماني وزارات، فيما يتواصل العمل على استكمال تدقيق بقية المؤسسات.
وأعلنت الهيئة كذلك إكمال الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد التي تمتد حتى عام 2030.
وتشير هذه الملفات مجتمعة إلى استمرار اعتماد المالية العراقية على النفط في تمويل الإنفاق العام، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى ضبط النفقات، الحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي، وتنويع الإيرادات، بالتوازي مع تشديد الرقابة على العقود والمشاريع العامة.
ويظل نجاح هذه السياسات مرتبطاً بقدرة الحكومة على الحد من نمو النفقات الجارية وزيادة الإيرادات غير النفطية، فضلاً عن الحفاظ على تدفقات النفط واستقرار القطاع النقدي، وهي عوامل ستؤثر بصورة مباشرة في إعداد موازنة 2027 وقدرتها على تمويل التعيينات والمشاريع والخدمات.
أضف تعليقاً